وقفات شرعية مع تطبيق الشريعة الإسلامية
09/21/2015
110
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

اعداد/ المستشار احمد السيد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعدُ: فما يزال الحديث موصولاً عن الشبهات التي ساقها معارضو تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر، وقد قاموا بإثارة العديد من الشبهات حول الحدود؛ إما من ناحية ثبوتها، أو من ناحية تطبيقها، وسنتعرض لهذه الشبهات فندحضها، ونبين عوارها بإذن الله تعالى، فنقول وبالله تعالى التوفيق: الوقفة الأولى: ما أشبه الليلة بالبارحة!
لا بد أن يعلم المسلمون أن ما يقوم به هؤلاء من غمز ولمز للشريعة، ليس وليد هذا العصر، وإنما هم مسبوقون فيه، فمنذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وما انفك أسلافهم يثيرون الشبهات على شرع الله، حتى مع وجود النبي صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: « وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ » [الأنعام:121]، أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدًا وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب (سيف من ذهب) يعني الميتة فهو حرام؟ فنزلت هذه الآية: « وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ » [الأنعام:121]، وإن الشياطين من فارس، وأولياؤهم قريش. [أورده ابن كثير في التفسير، وصححه العلامة أحمد شاكر].
فانظر أخي الحبيب كيف ألقوا تلك الشبهة على الصحابة، كيف تأكلون مما تذبحون بأيديكم وتتركون أكل الميتة وما أماتها إلا الله؟! فأحدثت ذلك في أنفس ناس من المسلمين شيئًا، فأنزل الله تعالى: « وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ » [الأنعام:121]، فبين الله لهم:
1- أن من يلقي الشبهات حقيقة هم الشياطين وما هؤلاء إلا مطية لهم يأتمرون بأمرهم.
2- أن الواجب على المسلم أن ينقاد لشرع الله عز وجل، ويقول: «سمعنا وأطعنا»، ولا يلتفت إلى ما يلقى إليه من شبهات تعارض ما معه من نقل صحيح.
3- كان من الممكن أن يخبر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذي أماتها، وهو الذي نهاهم عن الأكل منها، فله الأمر من قبل ومن بعد، ولكنه بيّن لهم أن إطاعة المشككين فيما يلقونه من شبهات يؤدي إلى الشرك.
4- أن الله سبحانه وتعالى بيّن حقيقة هؤلاء في غير ما آية من كتابه، فقال سبحانه: « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ » [آل عمران:7]، فقد وصف الله عز وجل من يلقي الشبهات بأنه من أولياء الشيطان وفي قلبه زيغ، فليحذر كل مسلم أن يكون ممن اتصف بذلك.
الوقفة الثانية: الشبهات التي أثاروها حول حد السرقة والرد عليها:
أولاً: تعريف السرقة:
لغة: مصدر الفعل سرق، ويدل على أخذ ما ليس له أخذه في خفاء وستر.
شرعًا: عرفها الدرديري في الشرح الصغير بأنها: أخذ مكلف نصابًا فأكثر من مال محترم لغيره، بلا شبهة قوية، وخفية بإخراجه من حرز غير مأذون فيه، وإن لم يخرج هو بقصد واحد، أو أخذه حرًا لا يميز لصغر أو جنون. اهـ.
ثانيًا: دليل وجوب الحد
1- قوله تعالى: « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » [المائدة:38].
2- عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا». [متفق عليه]. (حوالي: 1.11 جرام ذهبًا).
3- وعنها رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». [متفق عليه].
ثالثًا: الشبهات التي أثاروها
الشبهة الأولى: أن الفقهاء مختلفون في شروط تطبيق الحد، ولا يكاد يوجد اتفاق بينهم، فقد اختلفوا فيمن جحد متاعًا بعد استعارته من أهله هل يقام عليه الحد أم لا؟ واختلفوا في النصاب فمنهم من اشترط ومنهم من لم يشترط، ومن اشترطه اختلفوا فيما بينهم هل هو ربع دينار أم ثلاثة دراهم أم عشرة دراهم؟ واختلفوا في محل القطع، وهل يجمع مع القطع والغرم أم لا؟ فبأي الأقوال سنأخذ؟!
ويرد عليهم بالآتي:
أولاً: لما قام واضعو القوانين الوضعية بتشريعها في مصر، كان أمامهم القانون الفرنسي والإيطالي والإنجليزي والأمريكي، فلماذا أخذوا هذا وتركوا ذلك؟! وما هو معيار التفضيل؟! ولماذا لم يتركوا الجميع بدعوى عدم اتفاقها؟! فهم لم يقولوا ذلك ولم يسعَ الاحتلال الإنجليزي إلى إزاحة القانون الفرنسي واستبداله بالقانون الإنجليزي، مع طول فترة الاستعمار الإنجليزي لمصر؛ وذلك لأن القصد هو إزاحة المسلمين عن شريعتهم، ولا يهم إلى أي الشرائع يتجهون، قال الله تعالى: « وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً » [النساء:89]، فالأصل عندهم هو نقل المسلمين إلى الكفر، ولا يهم بعد ذلك ما نقلوا إليه من إلحاد أو نصرانية، أو يهودية أو بهائية، أو غيرها.
ثانيًا: في مجال الأحوال الشخصية للمسلمين لا يكاد يخلو موضوع من موضوعاته إلا وفيه الخلاف، مع أخذ القانون المصري بالراجح من مذهب الإمام أبي حنيفة، وبعض أقوال الأئمة في بعض المسائل؛ بما يحقق مصلحة الناس، وفي بلاد المغرب أخذوا بالمذهب المالكي، وفي المملكة العربية السعودية بالمذهب الحنبلي، وفي الصومال بالمذهب الشافعي، ولم يعترض أحد على هذا، فلماذا الاعتراض في مجال الحدود؟!
الشبهة الثانية: تهكمهم على الحرز: قام أحد رؤساء تحرير الصحف المصرية المعارضة، والمعروف بعدائه الشديد لكل ما هو إسلامي، ودفاعه المستميت عن الشيعة بإلقاء محاضرة عن الدولة المدنية، وكان مما قال: «لو سرق شخص مالاً من حافظة نقودك تُقطع يده ولو سرق ملايين الجنيهات بواسطة الكمبيوتر فلا تُقطع يده طبقًا لمفاهيم هؤلاء». وهنا ضجت القاعة بالتصفيق!! وهو هنا يتهكم على شرط الحرز في السرقة الذي اشترطه الفقهاء، وللرد على هذه الشبهة لا بد أن نتكلم عن الحرز.
تعريف الحرز
لغة: مأخوذ من الحفظ والتحفظ، يقال: حرزته واحترز هو أي تحفظ، وأصل الحرز في اللغة الموضع الحصين والمكان الذي يحفظ فيه والجمع أحراز. شرعًا: عرفه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن بأنه «هو ما نُصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله». وقال ابن قدامة في «المغني»: «والحرز ما عُد حرزًا في العرف، فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه، عُلم أنه رد ذلك إلى أهل العرف؛ لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته فيرجع إليه، كما رجعنا إليه في معرفة القبض، والفُرقة في البيع، وأشباه ذلك». اهـ. دليله:
1- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الثمر المعلق، فقال: من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنَة فلا شيء عليه. [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر: «الخبنة: معطف الإزار وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه في ثوبه، يقال أخبن الرجل إذا خبأ شيئًا في خبنة ثوبه أو سراويله». اهـ.
2- وعنه أيضًا أنه قال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع». [رواه أبو داود وحسنه الألباني]. والجرين الموضع الذي يجمع فيه التمر، ويكون من بناء ونحوه، ولا يشترط أن يكون مغلقًا، والمجن أي الترس وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار.
3- عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلاً من مزينة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: هي ومثله والنكال، وليس في شيء من الماشية قطع إلا فيما آواه المراح، فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال. [رواه النسائي وحسنه الألباني]. أي: من سرق الماشية التي تسرح في الجبال فعليه ردها ومثلها، ويُنَكّل به، أما ما آواه المراح وهو الموضع الذي تروح إليه الماشية، وتأوي إليه ليلاً «الحرز» ففيه قطع اليد إذا بلغ النصاب.
اختلاف الفقهاء في اشتراطه
قال ابن عبد البر في التمهيد: واختلف العلماء في السارق من حرز، فأما فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام فإنهم اعتبروا جميعًا الحرز في وجوب القطع باتفاق منهم على ذلك، وقالوا: من سرق من غير حرز فلا قطع عليه بلغ المقدار أو زاد، والحجة لما ذهب إليه الفقهاء في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا قطع في حريسة جبل حتى يأويها المراح»، وأجمعوا أن السارق من مال المضاربة والوديعة لا قطع عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا قطع على خائن ولا مختلس»، وأجمعوا على ذلك، وفي إجماعهم على أن لا قطع على خائن ولا مختلس دليل على مراعاة الحرز، وقال أهل الظاهر وبعض أهل الحديث وأحمد بن حنبل في رواية عنه: كل سارق يُقطع، سرق من حرز وغير حرز؛ لأن الله أمر بقطع السارق أمرًا مطلقًا، وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم المقدار ولم يذكر الحرز». اهـ. والراجح اشتراط الحرز؛ لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تخصيص لعموم آية السرقة. وللحديث بقية إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *