الإســـــــــــــلام والبيئــــــــــــة
09/20/2015
198
تعليق واحد
شارك الموضوع
 يمكن تعريف البيئة بأنها ما يحيط بنا من ماء وهواء وأرض وفضاء وكافة الكائنات الموجودة بها من نباتات وحيوانات وجميع أشكال الطاقة والأنظمة والعمليات الطبيعية والأنشطة البشرية. ويعتمد بناء كثير من العلوم الإسلامية – خاصة أصول الدين – على كيفية حماية البيئة ورعايتها؛ حيث تعد البيئة في نظرها إحدى مخلوقات الله عز وجل فهي في ذلك كالإنسان؛ مأمورة بعبادة الله وتعظيمه. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (الإسراء؛ آية 44). وترتبط الشريعة الإسلامية بالبيئة من خلال العديد من القواعد والتعاليم التي تضمها حيث منحت للحاكم الحق في فرض العقوبات على من يضرون بالبيئة.
 وقد وضع الإسلام العديد من الأسس التي تحدد طبيعة وأنماط التعامل مع البيئة يمكن توضيحها فيما يلي:
 • التشجيع على الزراعة والإنبات
 • النظافة
 • حماية البيئة
 • الحفاظ على الموارد
 • الحفاظ على صحة الإنسان
 وقد تحدث القرآن الكريم عن الطبيعة باعتبارها من خلقه وآية أو علامة على وحدانيته وقدرته، داعيًا الإنسان في الوقت نفسه إلى التأمل والتفكر فيها.  قال تعالى: وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأنعام؛ 99)  وقال تعالى: وَاللَّـهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ?إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ?65? وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ? نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ ?66? وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?67? وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ?68? ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ? يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?69? (سورة النحل)  وقال تعالى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ?41? (سورة الروم)  وأتى ذكر القرآن للطبيعة في الأغلب كدليل على وجود الله ووحدانيته وأنه الأحق بأن يعبد في الأرض، كما دعا الإنسان إلى تأمل الطبيعة للتيقن من ذلك. ومع ذلك، فإن علاقة الإنسان بالطبيعة لا تقف عند هذا الحد.  فقد استخلف الله الإنسان على الأرض وعلمه أن هذا الكون خُلق وفق توازن دقيق عليه معه الحفاظ عليه عبر الحكم الرشيد والسلوك القويم.  قال تعالى: الرَّحْمَـ?نُ ?1? عَلَّمَ الْقُرْآنَ ?2? خَلَقَ الْإِنسَانَ ?3? عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ?4? الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ?5? وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ?6? وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ?7? أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ?8? (سورة الرحمن)  ويتضح للمرء مما سبق أن الإسلام قد منح الإنسان حق استغلال موارد الأرض فيما يحقق مصالحه، إلا أنه لم يعفه في الوقت نفسه من المسائلة عن كيفية استخدامه لهذا الحق، فوضع له ضوابط ومحظورات تمنعه من إساءة استخدام لها. فالإنسان في سعيه عليه تحقيق الاستفادة المثلى من الطبيعة، وفقًا لحاجته، دون تعطيل توازنها الهش أو التأثير سلبًا على قدرة الأجيال المقبلة أو حرمانها من الاستفادة من البيئة بالقدر الذي حققه منها.    أوجه تشجيع الإسلام على حماية البيئة
 وصف الله عباده الصالحين في كتابه الكريم قائلاً:  وَعِبَادُ الرَّحْمَـ?نِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ?63? (سورة الفرقان)  فقد أمرت الشريعة الإسلامية كافة المسلمين بتقدير الطبيعة كقيمة سواء في السلم أو الحرب، فمنعت المقاتلين المسلمين في أوقات الحروب من إهمالها أو التعدي عليها.  وقد فسر البعض قوله تعالى عباد الرحمن بأنهم أولئك الذين لا يسعون في الأرض فسادًا.  وقال آخرون بأنهم لا يسعون في الأرض وراء الرذيلة والخطايا.  يمكن للمرء أن يفهم من هذا أن عباد الله القح هم الذين يعيشون على أرضه دون أن يعيثوا فيها فسادًا أو يدنسوها أو يلحقوا بها الضرر وهو ما يقتضي حمايتها والحفاظ عليها.
 وأمر الله عباده من المسلمين بوضع البيئة موضع تقدير واحترام، فالسماوات والأرض عند الله من أعظم خلقه. قال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?57? (سورة غافر)  كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث:  من قتل صغيراً أو كبيراً أو أحرق نخلاً أو قطع شجرة مثمرة أو ذبح شاة لإهابها لم يرجع كفافاً
 فقد حث الإسلام المسلمين على زرع الأشجار وغيرها من نبات الأرض للإسهام في ازدهار البيئة:  يقول عليه الصلاة والسلام: مَا مِن مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌٌ.  واهتم الإسلام بالنظافة بصورة كبيرة خاصة تنقية موارد المياه كالأنهار والبحيرات والبرك والآبار، فشدد على تحريم إلقاء القاذورات وغيرها من الشوائب في مصادر المياه منعًا لتلويثها. كما حرم الإسلام التبول أو التغوط في مصادر المياه أو بالقرب منها لما تسببه من انتشار لأمراض كالكوليرا والتيفوئيد وشلل الأطفال.
 قال رسول الله: لا يبولن أحدكم في الماء الراكد …  كما دعا الإسلام المسلمين إلى الحفاظ على نظافة ديارهم وشوارعهم، فمنع رمي النفايات أو الاحتفاظ بكميات كبيرة من القمامة في المنازل أو تراكمها في الشوارع دون جمعها والتخلص منها على النحو السليم. كما يأمر الإسلام جميع المسلمين بإماطة الأذى عن الطريق إذا وجد فيه ما قد يؤذي المارة.  قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إماطة الأذى عن الطريق صدقة  كما حرم الإسلام أتباعه من قضاء الحاجة أو التبول أو البصق في الأماكن العامة كالطرق والحدائق وما إلى ذلك مما يتجمع الناس فيها.  فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اتقوا اللاعنين قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس وفي ظلهم  وقال أيضًا: التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يورايه وقد أظهرت الدراسات أن البصق على الأرض يؤدي إلى انتشار العديد من الأمراض أكثرها خطورة هو مرض السل. ويتبين لنا من كل ما سبق أن الإسلام يحرص كل الحرص على حماية البيئة والحفاظ عليها.    الإسلام وموارد الطبيعة
 يحظى كل من البشر والحيوانات بنصيبهم من موارد الأرض، لذلك حرم الإسلام على أتباعه استنزاف أو إساءة استغلال موارد الطبيعة من ماء وهواء وأراض وتربة وكذلك غيره من الكائنات الحية كالنباتات والحيوانات، فدعا إلى الاستغلال الأمثل لجميع هذه الموارد سواء الحي منها أو الجامد.
المـــاء
 جعل الله الماء الأصل الذي نبعت منه الحياة، فقال في كتابه الكريم:  وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (سورة الأنبياء)  فجميع الكائنات من نباتات وحيوانات وإنسان تعتمد على الماء من أجل تأمين وجودها وبقائها على قيد الحياة، فيقول تعالى:   إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?164? (سورة البقرة)  وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ? انظُرُوا إِلَى? ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ?99? (سورة الانعام)  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ? وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ?وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى? وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى? أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ? وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ?5?(سورة الحج)  وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ?وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ?48? لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ?49? (سورة الفرقان)  فدعا الله الإنسان أن يقدر ما للماء من قيمة في استمرار الحياة، يقول تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ?68? أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ?69? لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ?70? (سورة الواقعة)  قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ ?30? (سورة الملك)  وإلى جانب هذه الوظيفة الحيوية، يتمتع الماء بوظيفة اجتماعية دينية أخرى تتمثل في تنقية الجسم والملابس من جميع الأوساخ والشوائب والأنجاس حتى يقابل الإنسان ربه طاهرًا نقيًا من كل دنس. يقول الله تعالى:  إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى? قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ?11?(سورة الأنفال)  كما بين لنا الله وظائف أخرى لمياه البحيرات والبحار والمحيطات فأخبرنا بأنها موطنًا لكثير من المخلوقات التي تلعب دورًا حيويًا في استمرار الحياة وتطور العالم. يقول الله تعالى:  وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?14? (سورة النحل)  ويقول تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ? وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ? وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ?96? (سورة المائدة)  فلا أدنى شك في أن الحفاظ على هذا العنصر الحيوي أمر لا غنى عنه للحفاظ على الحياة واستمرارها باختلاف أشكالها النباتية والحيوانية والبشرية. لذلك، حرمت الشريعة الإسلامية الإسراف في استخدام المياه سواء في الاستخدام الشخصي أو العام أو كانت شحيحة أو وفيرة. يقول الله تعالى:  وَآتِ ذَا الْقُرْبَى? حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ?26? إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ?وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ?27? (سورة الإسراء)    الهواء
 لا يقل هذا العنصر أهمية عن المياه في إدامة الحياة والحفاظ عليها، فكافة المخلوقات تقريبًا تعتمد اعتمادًا كليًا على الهواء للتنفس. وللهواء وظائف أخرى قد لا تغمض عنها عين الإنسان ولكن الله جعلها لتحقيق غايات بعينها ولم نكن لنعلم بها لولا أن القرآن أخبرنا عنها كدوره الحيوي في تلقيح النباتات والزروع. يقول الله تعالى:  وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ?22? (سورة الحجر)  وتعد الرياح برهانًا آخر قدرة الله ونعمه وكمال تقويمه في خلقه. فيقول تعالى:  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?164? (سورة البقرة)  وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ? حَتَّى? إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ? كَذَ?لِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى? لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ?57? (الأعراف)  وطالما أن هذا الغلاف الجوي يقوم بجميع هذه الوظائف الحيوية والاجتماعية، فإن الحفاظ على نقائه يعد جانبًا أساسيًا من جوانب الحفاظ على الحياة نفسها وهو ما يمثل أحد الأهداف الرئيسة للشريعة الإسلامية.
 الأرض والتربة
 والأرض والتربة مثلها مثل الهواء والماء فكلاهما ضرورة لاستمرار حياتنا وحياة غيرنا من المخلوقات على وجه الأرض. فيقول الله تعالى في محكم آياته:  وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ?10? (سورة الرحمن)  فقد جعل الله الأرض موطنًا للإنسان وغيره من الكائنات الحية؛  وَاللَّـهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ?17? ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ?18? (سورة نوح)  وإذا كانت الأرض وطننا، فلنا فيها قدر ما بسطها الله:  وَاللَّـهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ?19?لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ?20? (سورة نوح)  وقد جعل الله الأرض مصدرًا للرزق والمعيشة بالنسبة لنا وغيرنا من الكائنات الحية؛ فقد جعل التربة خصبة لزراعة النباتات التي تتوقف عليها حياتنا وحياة جميع أشكال الحياة الحيوانية الأخرى. فجعل الله الجبال رواسي للقشرة الأرضية وتحفظ المطر حتى يحين نزوله كما بين لنا في كتابه الكريم:  أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ?25?أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ?26? وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا ?27? (سورة المرسلات)  وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَ?لِكَ دَحَاهَا ?30? أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ?31?وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ?32? مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ?33? (سورة النازعات)  وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ?19?وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ?20? (سورة الحجر)  وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ?33? وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ?34? لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ? أَفَلَا يَشْكُرُونَ ?35? (سورة يس)  فالإنسان ملزم أمام ذلك بشكر خالقه لما أنعم به عليه من نعم عظيمة، فعليه الحفاظ على خصوبة الأرض وعدم تعريضها لعوامل التعرية والتآكل بفعل الرياح والفيضانات بأن يستغلها في البناء والزراعة والرعي والحراجة والتعدين؛ أي علينا عدم إتباع الممارسات التي قد تسفر عن تدهورها بل تلك التي تحافظ على خصوبتها وتثريها. فإهمال هذه النعمة العظيمة التي تعتمد عليها كثير من أشكال الحياة لا يعد سوى جحود لنعمه الجليلة.
 وقد قام الإسلام أيضًا على مبدأ لا ضرر ولا ضرار. وبما أن أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى تدمير الأرض أو تدهور يؤدي بالضرورة إلى تدهور وتدمير الحياة على الأرض، فهو محرم عمل محرم أخذًا بهذا القياس.
 النبات والحيوان
 ليس هناك من ينكر أهمية النباتات والحيوانات باعتبارها من الموارد الحية ذات فائدة عظيمة لا يسع الإنسان أو غيره من الأنواع البقاء على قيد الحياة دونها. فالله لم يخلق شيئًا عبثًا؛ فكل شكل من أشكال الحياة هو ثمرة تطور مميز ومعقد أتى به الله، كما أن كل منها يستحق التقدير الخاص به. فكل نوع من هذه الأنواع يتمتع بتركيبة جينية فريدة لا يمكن استعاضتها أو الحصول على بديل لها، فما إن تفقد لا تعود أبدًا.  وتشكل النباتات المصدر الأساسي للرزق للإنسان والحيوان على الأرض بحكم وظيفتها الفريدة من نوعها المتمثلة في إنتاج الغذاء باستخدام الطاقة الشمسية. يقول الله تعالى:  أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ?25? ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ?26? فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ?27? وَعِنَبًا وَقَضْبًا ?28?وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ?29? وَحَدَائِقَ غُلْبًا ?30? وَفَاكِهَةً وَأَبًّا?31? مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ?32? (سورة عبس)  وبالإضافة إلى أهميتها كمصدر للطعام، تعمل النباتات على تخصيب التربة وحمايتها من التآكل بفعل الرياح والمياه. كما أنها تحفظ الماء بسد السبيل أمامه وتلطف من حرارة الجو وتنتج غاز الأكسجين الذي نتنفسه. كما أنها تحظى بأهمية بالغة في صناعة الأدوية والزيوت والعطور والشمع والألياف والأخشاب والوقود؛ فيقول الله تعالى في كتابه الكريم:  أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ?71? أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ?72? نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ?73? (سورة الواقعة)  والحيوانات بدورها توفر الغذاء للنباتات ولبعضها البعض وللإنسان. فروث وجيف الحيوانات تعمل على تخصيب التربة والبحار، كما أنها تسهم في توازن الغلاف الجوي عن طريق تنفسها وتسهم حركتها وهجرتها من مكان لآخر في انتشار النباتات حيث يتجهون. فهي إلا جانب كونها مصدر غذاء لبعضها البعض، فهي توفر للإنسان ما يحتاجه من جلود وصوف وأدوية وعطور كما أن بعضها يصلح كوسيلة نقل والبعض الآخر يحصل منه على اللحم والحليب والعسل. وتتمتع الحيوانات بقدرة عالية من الإحساس والإدراك كما أنها تلعب دورًا كبيرًا في العلاقات الاجتماعية، لذلك حظيت الحيوانات باهتمام خاص لدى الإسلام.  وقد ذكر القرآن وظائف أخرى لهذه المخلوقات، بعضها قد لا تدركه حواس الإنسان، خاصة هيئتها في عبادة الله وتسبيحه وحمده كما جبلت عليها طبيعتها. فيقول الله تعالى في محكم آياته:  أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ? وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ? وَمَن يُهِنِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ? إِنَّ اللَّـهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ? ?18? (سورة الحج)  وَلِلَّـهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ? ?15? (سورة الرعد)  وقد وضع الإسلام جميع التدابير اللازمة لبقاء واستمرار هذه المخلوقات حتى تتمكن من أداء كامل المهام الموكلة إليها. فليس هناك ما يبرر للإنسان القضاء التام على أحد أنواع الحيوانات أو النباتات كما ليس من حقه استنزافها بمعدل لا يتيح لها التجدد. وينطبق هذا على الصيد عمليات صيد الحيوانات والأسماك والحراجة وقطع الأخشاب والتحطيب والوقود والرعي، وغيرها من أشكال استغلال هذه الموارد. فلا غنى للحياة على الأرض من الحفاظ على هذا التنوع الجيني للكائنات الحية؛ لما يحققه هذا من خير لها وللبشرية وجميع المخلوقات الأخرى على حد سواء.   صور عمل الإسلام على إنقاذ البيئة في الماضي والحاضر
 ليس طرحنا السابق بالكلام المعسول المجرد مما يدعمه على الصعيد العملي خاصة في ظل الالتزام الفعلي للمسلمين بحماية البيئة على مر التاريخ وفي عصرنا الحديث.  وتعد الدولة الإسلامية القديمة نموذجًا للاهتمام الجاد من قبل المسلمين نحو واجبهم تجاه البيئة. فنجد أن وزراء الدولة العثمانية في إطار مشوراتهم وتوصياتهم للسلطان فيما يخص الأمور المتعلق بإدارة وسياسة الدولة، كانوا يحثون دومًا على التوقف عن السياسات التي من شأنها الإضرار بالأجيال المقبلة.  كما أن الابتكارات التقنية التي توصلت إليها الدولة الإسلامية كانت محل جدال محتدم بين العلماء من حيث تأثيرها على المدى الطويل على كل من المجتمع والبيئة.  وفي العصر الحديث اتخذت المملكة العربية السعودية العديد من التدابير والإجراءات اللازمة لحماية البيئة والحياة البرية داخل حدودها فوضعت العديد من النظم التي تتعلق بالبيئة بصفة عامة مثل:
 • نظام الغابات والمراعي
 • النظام العام للبيئة
 • نظام المحميات
 • نظام تداول الأسمدة الزراعية
 • استراتيجية وبرامج الغابات الوطنية في المملكة
 • استراتيجية وبرامج مكافحة التصحر في المملكة
 • خطط الطوارئ
 وبالإضافة إلى ذلك، أنشأت المملكة العربية السعودية العديد من المنظمات لحفظ وحماية البيئة؛ من بينها اللجنة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها. وقد تأسست هذه اللجنة بغية تحقيق الأهداف التالية:  • تشجيع وإجراء البحوث العلمية في مختلف حقول علوم الحياة وخاصة ما يتعلق منها بالحياة الفطرية.  • إثارة الاهتمام بالقضايا البيئية المتعلقة بالحياة الفطرية ومحاولة إيجاد حلول مناسبة لها عن طريق عقد اللقاءات والندوات والمؤتمرات المحلية لمناقشتها من قبل المتخصصين في هذه المجالات.  • إجراء مسوح شامل للمعرفة الحالية ونتائج البحوث المتعلقة بالحياة الفطرية والمواطن الطبيعية في المملكة العربية السعودية سواء تلك المنشورة في مختلف مصادر المعلومات المحلية والعالمية أو غير المنشور منها.  • تطوير وتنفيذ خطط ومشروعات للحفاظ على الحياة الفطرية في مواطنها الطبيعية عن طريق إقامة مناطق محمية للحياة الفطرية في المملكة العربية السعودية واستصدار الأنظمة والتعليمات الخاصة بتلك المناطق والعمل على تطبيقها.  • التعاون مع مختلف الوزارات والهيئات الوطنية من حكومية وغير حكومية وكذلك مع الأفراد والهيئات العالمية لتحقيق هذه الأهداف.  ويلتزم النظام القانوني في المملكة العربية السعودية بالشريعة الإسلامية سواء من حيث التشريعات القانونية أو الدينية مما يوفر أساسًا متينًا لتحقيق التنمية المستدامة القائمة على الاستغلال الرشيد لجميع الموارد الطبيعية. فتشدد المملكة على أهمية الحفاظ على الموارد المتجددة وعلى مسئولية الإنسان عند استغلالها لتحقيق أقصى قدر من الاستفادة منها لأطول أمد ممكن. فإذا كان للإنسان الحق في استغلال هذه الموارد، فليس له الحق في استنزافها والجور عليها. فهو مطالب بتمريرها إلى أجيال المستقبل في حالة تمكنهم من الاستفادة منها بالقدر نفسه. فتنتهج اللجنة عند صياغة سياسات الحفاظ على البيئة منهجًا يتسم بالحكمة على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.  هذا هو موقف الإسلام من القضايا البيئية. وقد يفاجأ كثيرون عندما يعلمون أن الإسلام قد اتخذ مثل هذا الموقف الثابت وتناول هذه القضايا على نطاق واسع قبل 1400 عاماً. فهذه الحقائق وإن كانت تثير الدهشة لدى البعض فهي صحيحة تمامًا كما برهن عليه ما سقناه من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية وأمثلة عملية

1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *