الإســـــــــــلام والعمــــــــل
09/20/2015
258
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

ينظر الإسلام للعمل باعتباره أمراً واجباً وقيمة فاضلة، فالإسلام يقر أن للإنسان حاجات متعددة؛ تتنوع بين الطعام والملبس والمأوى وغيرها، وحيث أن الإسلام يشترط تلبية تلك الاحتياجات من خلال سبل ووسائل مشروعة، لذا فالإنسان ملزم بالقيام بعمل يجني منه رزقه. كما أن الإسلام يحرص في الوقت ذاته على أن يكون هناك توازن بين الإخلاص في العبادة، وبين السعي المشروع لتحقيق متطلبات الحياة والاستمتاع بمباهجها المشروعة. يقول الله سبحانه وتعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. القصص: 77. ولذا، فإن الإسلام يحظر على أتباعه أن يستخدموا الدين كـ ذريعة أو مبرر للكسل والتراخي، ويأمرهم بعد الانتهاء من أداء صلاتهم أن ينتشروا في الأرض سعياً لجني رزقهم وتحصيل أقواتهم بالطرق المشروعة. يقول الله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الجمعة:10. يقول المفسرون في هذه الآية أن المقصود هنا هو جني الرزق والتجارة والقيام بالعمل اللازم للحصول على المقومات الأساسية للحياة ومتطلباتها. كما أن الإسلام يحض أتباعه على الاعتماد على الله سبحانه وتعالى ثم على أنفسهم لجني رزقهم، وعدم التواكل على الآخرين، حيث أن العمل يجعل الإنسان مستقلاً ويعطيه الكرامة والرضا عن النفس والاحترام الذاتي. لذا، فقد مدح الإسلام الاشتغال بما يجلب الرزق، وذم التسول واستجداء الآخرين إلا في حالات العوز الشديد. أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى بسنده عن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِىُّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ « أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ » وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ فَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ « أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ». فَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ « أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ».قَالَ فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلاَمَ نُبَايِعُكَ قَالَ « عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتُطِيعُوا – وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً – وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا ». ويقول صلى الله عليه وسلم: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم. يقول العلماء في تفسير هذا الحديث: هذا وعيد عظيم، يدل على حرمة سؤال الناس باستمرار، حيث يقول الأئمة في هذا الصدد أنه: لا يحل للمرء أن يسأل الناس شيئاً، إلا في حالات العوز والاحتياج الشديد، فإذا كان الرجل محتاجاً ولا يجد ما ينفق ولذا فهو مضطر للسؤال، ففي هذه الحالة لا حرج عليه. أما إذا كان يبسط كفه للناس ليحصل على أمور هي من متع الحياة ووسائل الراحة، فهذا بلا شك سلوك غير مقبول. يقول النبي صلى الله عليه وسلم : من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا؛ فليستقل أو ليستكثر. يقول العلماء في شرح هذا الحديث: الجمر هو إشارة مجازية للعقوبة التي ينالها جزاء على ما يفعل، وكلما سأل الناس كلما زادت عقوبته، وإذا لم يستكثر من سؤال الناس فستقل عقوبته، أما إذا تخلى عن هذا الأمر برمته فقد أعفى نفسه من العقوبة، فهذا الحديث دليل على أن سؤال الناس بدون حاجة هو ذنب عظيم. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره, خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه. يقول العلماء في شرح هذا الحديث: في هذا الحديث حثٌ وتشجيعٌ على العمل والكد من أجل كسب الرزق، كما يبين لنا أن سؤال الناس مع القدرة على كسب قوته من عرق جبينه هو أمر غير مقبول. وعندما يمعن المرء النظر في المصادر الإسلامية يجد فيها كثيراً من الأمثلة التي تحض على الكد والعمل وتنهى عن التراخي والكسل، دعنا نلقى نظرة على الأمثلة التالية: الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والعمل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالحديث عن أهمية العمل وكسب الرزق الحلال، بل إنه صلوات ربي وسلامه عليه ضرب مثالاً عمليا بنفسه يبين كيف ينبغي للمسلم أن يكد ويجتهد لكسب الرزق. عمل النبي صلى الله عليه وسلم راعياً للغنم كما عمل بالتجارة، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بأمور أهل بيته، وعندما بني المسلمون المسجد الأول في المدينة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة علي كتفيه، وفي غزوة الخندق عندما احتاج المسلمون إلى حفر خندق يحمي المدينة، لم يستقل النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناول فأساً ويشارك أصحابه في حفر الخندق. جميع تلك الأمثلة تظهر مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على العمل والاجتهاد. الرسل والعمل يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده. ويقول صلى الله عليه وسلم: كان زكريا نجاراً، يقصد أنه كان يكسب رزقه من النجارة. صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والعمل تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان أصحاب رسول الله عمال أنفسهم. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول : اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف قدم على المدينة، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وعند الأنصاري امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال: بارك الله في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فأتى السوق فربح شيئا من أقط وشيئا من سمن، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال: (مهيهم يا عبد الرحمن) فقال: تزوجت أنصارية، قال: (فما سقت إليها)، قال وزن نواة من ذهب، قال: أولم ولو بشاة. رؤية الإسلام للعمل وتوافقها مع صلاح المجتمع يعمل الإسلام دوماً على نشر الفضيلة، وتخليص المجتمع من كل رذيلة. وهذا أحد الأسباب التي من أجلها حث الإسلام أتباعه على الكد في العمل لكسب الرزق الحلال. فحال المجتمع سيصبح أفضل بلا شك، خالياً من العلل والأمراض الاجتماعية كالسرقة والمقامرة وتجارة المخدرات والابتزاز وغيرها، إذا اجتهد كل فرد في كسب رزقه وتحرى الحلال في جمع المال. الإسلام يحث على الإسراع في أداء حقوق العاملين جاء في سنن ابن ماجه، عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ. خاتمة
إن الإسلام دين يحث أتباعه على أن يؤدوا حق الله سبحانه وتعالى وفي الوقت ذاته لا ينسوا مسئولياتهم الدنيوية، ويدحض آراء القائلين بأنه لا يمكن الجمع بين العمل للدنيا والآخرة. يأمر الإسلام أتباعه بأن يتحروا الحلال في سعيهم لكسب معيشتهم، ويحرم عليهم أن يسألوا الناس بدون حاجة. يحض الإسلام الناس على الاقتداء بمعلم البشرية جمعاء، وخير من خلق الله؛ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يأكل من عمل يده. كما يبين لنا الإسلام أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أصحابه رضي الله عنهم كانوا يعملون باجتهاد ليعولوا أنفسهم وأهليهم. كما يبين الإسلام أن أحد أفضل الدوافع لإتمام العمل على الوجه الأمثل هو إعطاء الأجور المناسبة في وقت استحقاقها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *