النظــام السيـاسي الإسلامـي
09/20/2015
305
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

جاء الدين الإسلامي ليقيم أركان الإصلاح في المجتمعات التي كانت تعج بالفوضى والفساد وتنقسم إلى قبائل ودويلات مفتتة. ومن هنا، أسس الإسلام نظاماً عاماً للحياة بكل جوانبها السياسية والاجتماعية والدينية. فالدين الإسلامي لا يقتصر على الجانب الديني فقط، ولكنه دين شامل يعالج كل القضايا الإنسانية. فما أن بدأت الدولة الإسلامية تقيم أركانها وتثبت نظامها، حتى وضع النبي صلى الله عليه وسلم الأسس التي يعالج من خلالها كل القضايا التي تهم الإنسان بشكل عام والمسلمين بشكل خاص. فبعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، قام بوضع نظام سياسي رشيد يضمن للمسلمين التعايش السلمي مع غيرهم من اليهود والنصارى. فوقع النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقيةً مع يهود المدينة تشمل كل جوانب الحياة. وبعد ذلك بدء النبي صلي الله عليه وسلم ينظر إلى خارج المدينة، فعقد صلح الحديبية مع مشركي مكة. ثم وضع الني صلي الله عليه وسلم الأطر العامة التي تحكم تعامله مع غير المسلمين أثناء الغزوات التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، نجد صحابته رضوان الله عليهم يؤسسون النظام السياسي الذي يحكمهم في الضوء الدستور القرآني والسنة الغراء فنشأت الخلافة لتكون هي النظام السياسي الأول في الإسلام. وفي ظل هذه السياسة التي حكمت المسلمين لعقود طويلة، حكم المسلمون العالم شرقاً وغرباً بنظام سياسي أساسه العدل الذي يضمن لكل من يعيش على هذه المعمورة رخاء العيش والأمن والسلام. لكن النظام الإسلامي لم تكن بدايته بعد أن أصبحت الدولة الإسلامية في مركز القوة، ولكنه بدأ حين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم الرسل إلى ملوك الدول الكبرى يدعوهم إلى الدخول في الإسلام.
مفهوم السياسة والنظام الإسلامي
تعرف السياسة في اللغة العربية على أنها القيام على الشيء بما يصلحه. فهي لفظة عربية أصيلة شاملة تخرج عن المفهوم الذي يحصرها فيما يتعلق بأمور الدولة والحكم فهي بهذا المعنى تشمل كل ما يجلب المنافع ويدفع المضار. فهي بهذا المعنى معتمدة على ما يضاف إليها ليتحدد معناها الاصطلاحي. فإذا أضيفت إلى الرعية، كان معناها ما يصلح تلك الشؤون، ووسيلة ذلك الأمر والنهي والإرشاد، إضافة إلى الترتيبات الإدارية والنظامية التي تؤدي إلى تحقيق المصالح ودفع المضار عن الرعية. يقول ابن تيمية رحمه الله عن العلم بالسياسية علم بما يدفع المضرة عن الدنيا ويجلب منفعتها وتستند السياسة في تطبيقها على أساسين إما أساس العقل البشري وهنا تكون سياسة عقلية أو سياسة مدنية وإما أساس النصوص الشرعية وما دلت عليه أو أرشدت إليه أو ما استنبطه العقل البشري من تلك النصوص بما يحقق مقاصد الشرعية وهنا تكون سياسة شرعية.
وقد وردت كلمة السياسة في كتب التراث واستخدمها الفقهاء بمعان عدة منها: • الأحكام الشرعية المتعلقة بأداء الأمانات في الولايات والأموال، والحكم بالعدل في حدود الله وحقوقه، وفي حقوق الآدميين • ما سيسه ولاة الأمر والنهي مجتهدين فيه • التعزيز والزجر والتأديب. هنا نصل إلى اصطلاح السياسة عند علماء المسلمين وهو مجموعة من الأحكام الشرعية، سواء منها ما يثبت بدليلي خاص أو باجتهاد، يؤدي العمل بها إلى جلب الخير والصلاح لجماعة المسلمين، وإلى دفع الشر والفساد عنهم، ولا تقتصر على الأحكام المتعلقة بالدولة الإسلامية، من حيث شكل الدولة أو نوعها أو طبيعة السلطة فيها ومصدرها وكيفية ثبوتها وانتقالها وغيرها من الأمور التي تتعلق بالدولة والسلطة. وبناء على هذا المعنى، نجد أن السياسة الإسلامية سياسة شاملة لكل جوانب الحياة فهي تتعلق بكل ما يصلح شأن الإنسان ويدفع عنه الضر.
وعلى أساس هذا النهج الإسلامي، نجد السياسة مدلول عام يشير إلى كل مصلحة تتحقق للإنسان وكل مفسدة تُدرأ عنه لا كما نراها بمفهومها في العصر الحديث. فقد أصبحت السياسة ما يتعلق بحكم الدولة وعلاقاتها مع الدول الأخرى. وهناك تعريفات عدة للنظام السياسي على هذا الأساس فمنها السياسة معرفة كل ما يتعلق بفن حكم دولة وإدارة علاقاتها الخارجية. ومنها السياسة هي علم الدولة وتشمل دراسة نظام الدولة، وقانونها الأساسي، ونظام الحكم فيها، ونظامها التشريعي…. كما تشمل هذه الدراسة النظام الداخلي في الدولة، والأساليب التي تستخدمها التنظيمات الداخلية في إدارة شؤون البلاد . فهي بذلك تنصب في أساسها على السلطة والحكم وما يتعلق بهما. لا بما يتعلق بمصلحة الإنسان كما نراها في المصطلح الإسلامي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم من بعده في ضوء الدستور القرآني والسنة الغراء. وقد اختلف علماء السياسة المعاصرون في وضع مفهوم محدد للسياسة فلقد أصبح من الصعب عليهم وضع مفهوماً واحداً لهذا المصطلح ولكن ما يربط بين كل التعريفات التي جاءت في العصر الحديث هو أنها تتعلق بالسلطة في الدولة.
أما النظام فهو يعرف في اللغة على أنه الخيط الذي يُنظم به اللؤلؤ، وكل خيط ينظم به لؤلؤ أو غيره فهو نظام ونظام كل أمر ملاكه والنظم نظم الخرز بعضه إلى بعض في نظام واحد ويقال ليس لأمره نظام أي لا تستقيم على طريقته وكل شيء قرنته بآخر أو ضممته بعضه إلى بعض فقد نظمته. والنظام هو العقد من الجواهر والخرز ومعناه أيضاً الهدي والسيرة ومازال على نظام واحد أي عادة. وعليه، فإن النظام يعني الترابط والاستقامة التي لا يصحبها عوج، والاطراد الذي لا يعتريه خُلف فهو مجموع الأشياء المترابطة المتناسقة المتآلفة التي يكون لها ثبات واطراد.
فهو بالمعنى العام يعرف على أنه مجموعة الخطوات أو الإجراءات المتناسقة التي يتم من خلالها تدبير الأمور وتسييرها بطريقة صالحة. أما بالنظر إليه كلقب فهو كيفية حكم الدولة أي مجموعة الأحكام وما ينتج عنها من هيئات أو مؤسسات وتنظيمات متعلقة بالدولة الإسلامية من حيث إقامة الدولة وإدارتها والمحافظة عليها وتحقيق غايتها. من هذا التعريف للسياسة والنظام وبناء على الواقع السياسي الإسلامي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وأتباعه رضوان الله عليم أجمعين يمكننا استنباط السمات العامة للنظام السياسي الإسلامي. سمات النظام السياسي الإسلامي
1. في ضوء مفهوم السياسة على أنها رعاية شؤون الآخرين ودفع الضر عنهم، تكون السياسة بهذا المفهوم عبادة. حيث جعل الإسلام الاهتمام بأمور المسلمين واجب على كل مسلم ومسلمة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم من لم يهتم بأمر المسلمين فليس مني. وبهذا يجب على كل من يتولى أمر المسلمين أن ينظر إلى السياسة على أنها عبادة تقربه من الله عز وجل. 2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم خادم القوم سيدهم. وبناء على هذا الحديث الشريف وما تقدم من توضيح لمعنى السياسة في الإسلام، نجد أن السياسة الإسلامية تقوم على خدمة الآخرين ورعاية مصالحهم ودفع الضر عنهم.
3. يقوم النظام السياسي الإسلامي على الشورى استجابة لقول الله عز وجل وشاورهم في الأمر. وقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أورع المثل في مشورة أصحابة في العديد من المواقف. وعلى هذا النهج سار أصحابه من بعده رضي الله عنه أجمعين. وقد تمثل هذا الأمر في أول أمر يقوم عليه الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو اختيار من يخلف النبي من أصحابه. 4. لم تقم سياسة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وأتباعه من بعده على الشعارات والخطب، ولكنها كانت سياسة واقعية تطبق ما تقول. فالنظام السياسي الإسلامي نظام واقعي لا يظل حبيس الفكرة والنظرية بل يخرج إلى أرض الواقع والتطبيق. فواقع المسلمين يعكس طبيعة النظام السياسي الإسلامي وبيئته تحدد أهدافه ووقته يشكل لونه. ومن هذا المنطلق يجب التأكيد على عدة أمور حتى
يتحقق المفهوم السياسي الإسلامي:
ا- التأكيد على أن الواقعية السياسية لا تعني بأي حال من الأحوال الاستسلام والخضوع. ب- التأكيد على أن الواقعية السياسية لا تعني الإنتهازية بمعنى أن الغاية تبرر الوسيلة. ج- التأكيد على أن الواقعية السياسية لا تعني البراغماتية التي تقول بأن كل ما يجلب المنفعة فهو حق وصحيح مهما كانت الوسائل. د- التأكيد على أن الواقعية السياسية لا تعني المثالية التي تؤمن بالقانون والأخلاق وأن الضمير الإنساني هو الحكم الأعلى في كل القضايا الأخلاقية، بل هى واقعية تدرك قصور الإنسان ولكنها تحاول تقريبه من خلال السياسة الشرعية للصلاح. الشورى: مبدأ أساسي في النظام السياسي الإسلامي
ذكرنا من قبل أن من أهم سمات النظام السياسي الإسلامي أنه يقوم على الشورى. وقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في مشورة أصحابه في مواقف عدة منها في غزوة بدر وعند التجهيز للخروج لغزوة أحد وغيرها من المواقف التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير فيها أصحابه عاملاً بقوله عز وجل وشاورهم في الأمر. وهناك عدة أسس تنطلق منها أحكام الشورى من هذه الأسس: 1. مرجعية الكتاب والسنة، 2. مسؤولية ولي الأمر المباشرة عن حراسة الدين وسياسة الدولة؛ 3. الاشتراك في المصلحة المبتغاة من الشورى؛ 4. الاشتراك في المسؤولية عن بلوغ الحق ونشره والعمل به؛ 5. عدم وجود حكم شرعي ملزم في المسألة موضع الشورى؛ 6. عدم انحصار إدراك الحق والصواب في شخص واحد ولو كان أعلم أو أفقه أهل الأرض؛ 7. عدم القدرة على الإحاطة التامة بالأمور كلها من قبل الفرد. الخلافة: النظام السياسي الإسلامي الأساسي
يتمثل النظام السياسي الإسلامي بشكل رئيسي، بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، في الخلافة حتى أن النظام السياسي الإسلامي يسمى اختصاراً الخلافة. وهو ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً قوله خلافة النبوّة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه، من يشاء وهناك شروط عديدة أن تحقق في الخلافة أو النظام السياسي يأتي من بينها: 1. أن يكون القائم على الخلافة مستوفياً للشروط الشرعية فيمن يسند إليه، 2. أن يسند إليه ذلك المنصب بطريقة شرعية، 3. أن يقيم الشريعة بين الرعية، ويحرس الدين من الزيادة فيه أو النقص منه، 4. أن يقوم بسياسة دنيا المسلمين وتحقيق مصالحهم ملتزماً في ذلك بأحكام ا لشريعة وقد عرفها الماوردي قائلاً الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وقال إمام الحرمين الإمامة: رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا. وبناء على هذه التعريفات، يتبين لنا أن الخلافة تقوم على الدين وسياسة الدنيا وليست كالديمقراطية التي تهتم بشؤون الدنيا وتترك الدين جانباً. وهناك شروط يجب توافرها في الخليفة وهي العدالة والأحكام وسلامة الحواس من السمع والبصر واللسان وسلامة الأعضاء والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح والشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة والنسب وهو أن يكون من قريش وانعقد الإجماع على ذلك. وللقائم على أمر المسلمين ألقاب عديدة لها دلالات خاصة منها لفظ الخليفة وهذا يعني أن القائم على رأس النظام الإسلامي ليس ملكاً مطلق المشيئة ولكنه وهذا اللفظ يدل على التواضع. ومن الألقاب لقب الإمام وهو يعني القيادة والقدرة فهو قدوة لغيرة في العمل بالشريعة والدعوة إليها يتقدم الناس في فعل الخير ويحثهم عليه. ومن الألقاب لقب الأمير وهو يبرز الجانب الوظيفي في العمل فهو يأمر وينهى ويلزم وعلى الرعية طاعته ما لم تكن في معصية الله عز وجل. كل هذه الألقاب والتي يتسمى بها من يتولى زمام أمر المؤمنين تدل المكانة الجليلة لهذا الفرد. كما أسلفنا الذكر، فإن الخلافة أو النظام السياسي الإسلامي تنشأ كعقد اجتماعي بين أفراد الشعب كما هو الحال في النظم الديمقراطية ولكنها تقوم على الشريعة التي تستمد سلطانها من الدستور القرآني والسنة النبوية وهنا أدلة كثيرة على ذلك: 1. هناك أدلة كثيرة تتحدث عن الخليفة والخلافة وحقوقه وواجباته مما يبين أنها نابعة من الشرع، 2. لم يكن هذا النوع من الحكومات معروفاً لدى المسلمين ولم كذلك متعارف عليه في حواضر المدنيات كفارس والروم وهذا دليل على أن هذا النظام السياسي مستمد من الشريعة، 3. المبادرة التي قام بها أصحاب النبي عقب وفاته وهم أعلم الأمة بالدين دليل على ضرورة إقامة الخلافة، 4. طلب العباس من علي بن أبي طالب أن يسأل النبي فيمن يكون الأمر بعد وفاته. وفي هذا دليل على علم الصحابة بضرورة إقامة الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن خلال هذه الأدلة، يتضح لنا أن الخلافة قامت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ودون انقطاع وأنها قامت بناء على الشرع مستقاة منه دون تدخل الناس في أركانها وشؤونها حتى تتم الفائدة من إقامة الخلافة وهي جلب المصلحة لعامة المسلمين ودرء المفسدة عنهم. وإذا توافرت الشروط التي ذكرناه آنفا في شخص، فهناك عدة طرق يتم بها توليته الخلافة. فيجب التأكد من توافر الشروط أولاً والتحقق منها وهو ما يسمى بتحقيق المناط في الشخص. هذا إن كان فرداً واحداً تتوفر فيه الشروط. أما إذا توافرت الشروط في أكثر من فرد فتكون بينهم مفاضلة على أساس تحقق الشروط بصورة أكثر من الآخرين ويكون هو الأنسب لعصره. وحتى يتم فيه تحقيق المناط، فإن ذلك يتطلب أمران وهما النظر في الشروط السبعة السالف ذكرها فيمن يراد جعله خليفة وهذا الأمر يحدده الشرع. والثاني النظر في وجود هذه الشروط وتحققها في آحاد الناس وهذا مناطه المعرفة الشخص وأحواله. وهناك أربعة أنواع لتولي الخلافة وردت في الخلافة الراشدة. أولها الاختيار من قبل أهل الحل والعقد. حيث يقوم أهل الاختيار رجلاً تتوافر فيه الشروط السبعة السابقة الذكر بعد الاتفاق والتشاور فيما بينهم ومن ثم مبايعته بالخلافة. ولا يضر وقوع بعض التباين في الآراء حتى يجتمع أهل الاختيار على الشخص الذي يتم اختياره في نهاية الأمر. وحدث ذلك في تولية أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. والطريقة الثانية وهي الاستخلاف وهو أن يحدد الخليفة العدل إذا حضرته المنية شخصاً بعده للخلافة ممن تتوافر فيه الشروط وذلك بعد استشارة أهل الحل والعقد. وحدث ذلك في تولية عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما اختاره أبو بكر الصديق. ومع معرفة كل من تواجد في هذه الفترة بفضائل عمر بن الخطاب وتوافر الشروط فيه، فقد استشار أبو بكر الصديق أهل الحل والعقد قبل تولية عمر الخلافة. وثالث الطرق هو أن يجعل الخليفة الأمر بين جماعة ممن يراهم أهلاً لهذا الأمر وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حيث جعل الأمر بين عثمان بن عفان وعلى وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وهم الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راضي عنهم. بدأ أهل الحل والعقد في الاختيار والاستشارة حتى اتفقوا على عثمان رضي الله عنه. يقول النووي – رحمه الله إن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت ـ وقبل ذلك ـ يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر، وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة، كما فعل عمر بالستة، وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة. والطرق السابقة كلها تشترك في أمرين مهمين وهما توافر الشروط وموافقة أهل الحل والعقد. ولا يعني هذا أن الطرق الأخرى والتي لا تخالف الشرع غير معمول بها. بل أي طريقة يتحقق بها هذا الأمر ما لم يخالف نصوص الشرع فهي جائزة. وعلى من يقوم على رأس النظام السياسي الإسلامي واجبات خاصة وواجبات عامة. فأما الواجبات العامة فهي كواجبات باقي المسلمين. أما الواجبات الخاصة فهي الحفاظ على الدين وحراسته وتحقيق مصالح المسلمين الشرعية والدنيوية ودرء المفسدة عنهم. وقد ذكر المارودي واجبات الخليفة تفصيلاً وهي عشرة كما يلي: 1. حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة. 2. تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة. 3. حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين. 4. إقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف استهلاك. 5. تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة؛ حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً. 6. جهاد من عاند الإسلام. 7. جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف. 8. تقديــر العطايا وما يستحق من بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعـــه في وقت لا تقديم فيــه ولا تأخير. 9. استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوِّض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال. 10. أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوِّل على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح. هذه هي حقوق الناس على من يتولى أمر المسلمين وله عليهم حقوق وفيها يقول الإمام الماوردي وإذا قام الإمام بما ذكرته من حقوق الأمة؛ فقد أدى حق الله ـ تعالى ـ فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة؛ ما لم يتغير حاله. هذا هو النظام السياسي الإسلامي؛ نظام محدد الأركان واضح المعالم مستنبط من الشرعية الإسلامية ويقوم على الدستور القرآني والسنة النبوية المطهرة. نظام مبدأه الأساسي هو جلب المصلحة للناس ودفع المضرة عنهم ذلك النظام الذي حدد أركانه النبي صلى الله عليه وسلم وتبعه في ذلك صحبه وأتباعه رضوان الله عليهم أجمعين. هذا هو النظام السياسي الإسلامي الذي يقوم على مبادئ الشورى والعدل والمساواة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *