الإســــــــــــــلام والسياســة
09/20/2015
339
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

لا يفرق الإسلام بين مجال الدين ومجال السياسة، فكلاهما يرتبط بالآخر ارتباطاً وثيقاً، ولكل منهما أهميته، ولكي نثبت ذلك فإن حجتنا تقوم على ثلاثة أبعاد: البعد المنطقي، والبعد النظري، والبعد العملي؛ ويمكن تفصيل كل واحد من تلك الأبعاد كالتالي:
فعلى الجانب المنطقي، نقول أن دور الإسلام في السياسة والدولة هو من الأهمية بمكان، وبشكل عام فإن الإسلام يتعامل مع السياسة باعتبارها عملية إدارية وتنظيمية تهدف إلى خدمة وحماية مصالح وشئون المجتمع المسلم ككل، مع التركيز التام على تحقيق العدل كأولوية مطلقة. بعبارة أخرى، إن هدف هذه العملية التنظيمية هو توسيع نطاق العدل والحفاظ عليه، وتقليص نطاق الظلم والإجحاف، إن لم يكن التخلص منهما تماماً. لذا، انطلاقاً من هذا الفهم الذي يحمله الإسلام للسياسة، يكمن إبراز البعد المنطقي لأهمية دور الإسلام في السياسة في أن تطبيق جميع القواعد والمبادئ الإسلامية لا يكون مكتملاً بدون وجود سلطة سياسية. ولذلك، فقد أجمع جمهور علماء المسلمين وأصحاب العلم بالشريعة الإسلامية على ضرورة أن يقوم المسلمون باختيار أو تنصيب خليفة أو إمام للمسلمين. وبمعنى آخر، أصبح فرضاً على المسلمين بموجب هذا الإجماع أن يؤسسوا قيادة سياسية للمجتمع الإسلامي.
وعلى المستوى النظري، فإن اهتمام الإسلام بالسياسة هو أمرٌ لا يمكن إنكاره، فهذا ُمشار إليه بشكل صريح وضمني في العديد من النصوص القرآنية والنبوية التي تتناول السياسة باعتبارها عملية حماية العقيدة والمجتمع المسلم. في هذا الصدد، يحدد القرآن النهج العام للسياسة، وأسلوب الحياة، والقيم والأهداف التي ينبغي تحقيقها، والقواعد التي ينبغي أن يكون عليها حكم المجتمع الإسلامي. في هذا السياق، يضع القرآن تحقيق العدالة باعتباره الهدف الدائم الذي ينبغي أن يكون نصب عيني الفرد و/أو السلطة العامة أو أياً تكن الجهة المسئولة عن شئون المسلمين قال تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. وتماشياً مع تلك الروح، يأمر القرآن النبي عليه السلام وبالتالي جميع المسلمين سواء كانوا أفراداً أو قادة بإتباع توجيه الله سبحانه وتعالى، والتشاور مع أصحابه، وتشاطر الأفكار والآراء، بحيث يعود القرار الذي يتخذه القائد بالنفع على عموم المسلمين.
وسيراً على النهج ذاته، عمد النبي صلى الله عليه وسلم دوماً إلى تقوية إحساس المسلمين بالمسئولية، ودائماً ما كان يذكرهم بأن كل امرئ عليه مسؤولية تجاه مجتمعه، وتجاه كل شيء تقع مسئوليته على كاهله قال صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. وينبغي أن نلاحظ هنا أن نطاق تلك المسئولية قد ُترك ـ عن عمد ـ عاماً وغير محدد. وفي حين أن نطاق تلك المسؤولية يتركز في البدء حول الفرد وعائلته، إلا أنه يتسع ليشمل المجتمع الإسلامي كله، خاصة في حالة الأمير أو القائد. إن الهدف هو تأسيس وترسيخ الإحساس لدى المسلمين بالمسؤولية المشتركة والتضامن، ولذا، فبالرغم من أن المفاهيم القرآنية والنبوية في هذا الصدد تتميز بالعموم في طبيعتها، إلا أنها تمد المسلم بالإحساس بالوحدة السياسية والتكامل، وبالقدرة على التكيف مع الظروف والحالات المتغيرة، بدلاً من التقييد بمنهج سياسي غير قابل للتغيير والتطور.
بالإضافة إلى ذلك، وطبقاً للمنظور العملي، فإن الأسس التي تقوم عليها اهتمامات الإسلام السياسية قد ترسخت بقوة بالأحاديث والسنة النبوية، والتي تزود المسلمين بالعديد من الأفكار فيما يتعلق بالعملية السياسية، وتغطي جميع القيم السياسية مثل العدل والمساواة والشورى، والقضايا الأخرى المتعلقة بالقيادة، والدولة والخلافة.
لكن بالرغم من اهتمام الإسلام بالحقل السياسي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل ينبغي أن تكون الرؤى والتوجهات الإسلامية ذات طبيعة عامة أم خاصة، في هذا الشأن، يمكننا التفكير فقط بطريقة واحدة، هي كالتالي:
1- إن الاهتمام الأساسي للقرآن الكريم موجه بالدرجة الأولى لحث المسلمين على بناء مجتمع إسلامي مثالي وليس دولة، وبناءً عليه، فإن الشكل السياسي الذي يتخذه هذا المجتمع ليس هو القضية. وذلك لأنه بمجرد إقامة المجتمع القرآني، فإنه يصبح تلقائياً دولة إسلامية.
2- إن الميل القرآني إلى الإحجام عن وضع تفاصيل ملزمة للشكل الذي ينبغي أن يكون عليه التكوين أو النظام السياسي، يمكن فهمه واستيعابه عندما نضع في حسباننا الطبيعة المتغيرة للمجتمع ومحيطه. هذا التجاهل للتفاصيل يعطي المسلمين القدرة على التكيف والانسجام مع التغيرات. بإطار مثل هذا، يصبح من الممكن تحقيق الشكل التنظيمي الأكثر ملائمة، ليناسب التغيرات المكانية والزمنية، هذه المرونة الضمنية تتيح للمسلمين مواكبة التطور الإنساني.
3- إن مفهوم شمولية الإسلام ، قد أعطى العلماء والمفكرين الدوافع اللازمة وأثار لديهم التحدي ليقوموا بالاجتهاد لتكييف وموائمة الحالات السياسية والاجتماعية لتتوافق مع المعايير والمبادئ الإسلامية. على مر العصور، كان الاجتهاد ـ باعتباره سبيلاً فكرياً ـ وسيلة العلماء المسلمين لتوسيع الآفاق النظرية وتمديد التطبيقات العملية، حتى فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية. وختاماً، فيما يتعلق بالشكل الذي يفضله الإسلام من أشكال الأنظمة السياسية، فإن القرآن لم يقم صراحة بتفضيل أو رفض أي نظام معين (مثل النظام الملكي أو النظام الجمهوري) بسبب صيغته الهيكلية أو التنظيمية، أو بسبب المزايا التي يضمها. بدلاً من ذلك، اهتم القرآن بوضع مبدأ واضح لتحديد أداء ومستوى القيادة الحاكمة، ألا وهو الحكم بالعدل بين الناس. وفى النهاية، فإن القرآن يؤكد أن الحكم والسيادة والسلطة إنما ُوعد بها المؤمنون الصادقون، بعبارة أخرى، وعد الله سبحانه وتعالى بأن الأرض يرثها هؤلاء الذين يسيرون على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويتحرون التقوى والعدل. وهذا الوعد لن يتحقق إذا نقض المسلمون العهد .وهجروا الشريعة الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *