العــــلاقــات الإجـتـمــاعيــــة مــــن منـــظـــور إســــــلامـــــــي
09/20/2015
271
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

خلقنا الله عز وجل وجعل لكل منا طبيعة تختلف عن الآخر على مستوى التفكير والأفعال بل والمشاعر، وبين لنا الطريق المستقيم كى نتبعه ولا نزيغ عنه، ليحاسب المرء بعدها عن ما يقدمه من أعمال صالحات وعن ما يقترف من سيئات، يقول الله عز وجل فى سورة الشمس: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا، ويقول أيضا في سورة المدثر: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ.
ومع هذا فلا شك في أن النفس الإنسانية بطبيعتها تميل للتآلف مع غيرها من الأنفس، وهو ما أوضحه الله عز وجل في سورة الحجرات حيث قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، وتلك حقيقة ثابتة لامراء فيها، تجلت في ما اكتشفه الباحثون من مدن قديمة ُدفنت تحت الأرض، والتى اتضح عند اكتشافها مدى قرب المسافة بين مساكن قاطنيها قديما، وكشفت أيضا عن وجود أماكن للإجتماعات ودور للعبادة، وكلها أماكن يلتقى فيها الأشخاص بعضهم بعضا، ويتضح لنا من هذا أن الإنسان من سالف الزمان وبحضارته المختلفة – سواء كان من قاطني القرى أو المدن أو في أى مكان استقرت فيها قدمه – قد اعتاد على الإجتماع مع غيره من البشر، ولا شك في أن أحد أسباب تلك الطبيعة المتأصلة في البشر هو ما جُبل عليه الإنسان من حب الإختلاط ومعاشرة الغير وكرهه للوحدة والعزلة.
ومن منطلق هذا الفهم وإدراك طبيعة الإنسان التى تميل إلى التعرف على الأخر ونبذ العزلة، يجىء حرص المرء على اتباع الدين الذى يشجع على التعرف على الغير والتآلف والإندماج معه، حيث لا يتصور أن يقبل المرء على ما يتناقض مع طبيعته، فيذهب ليبحث عن دين يحث أتباعه على هجر الناس، والإنزواء في مكان بعيد يتوارى فيه عن الأعين، وإيثار حياة العزلة حيث العبادة فقط دون انشغال بأمور الدنيا والبشر فلا زوجة ولا أولاد، بل انقطاع تام للعبادة كما هو الحال في بعض الأديان.
والإسلام وإن كانت صلب رسالته هي الدعوة إلى عبادة الله عز وجل، وأن يحيا الإنسان حياة الإيمان، لكنه في الوقت ذاته يدعو أتباعه للتفاعل مع الناس، والإنخراط مع البشر والتعرف عليهم، وهذا أمر يتطلب بدوره إقامة علاقات إجتماعية على كافة المستويات والتي تبدأ بشكل أساسي بمرحلة تكوين البيت والأسرة، فالأسرة ولا شك هي أساس إقامة المجتمعات الناجحة.

الـــزواج
يحث الإسلام أفراد الأسرة الواحدة على التحلى بقيمة الحب، وأن تسود روح الإنسجام بينهم، وذلك حتى يتهيأ للأطفال بيئة تساعد على تربيتهم تربية صحيحة، فمن الأسرة يكتسب الأطفال خبرة أثرها لا يضاهيه أثر، ولذلك حث النبى صلى الله عليه وسلم أن يكون الإختيار عند الزواج مرده إلى الدين، حتى يكونا الأبوين خير مثال وقدوة يحتذى بها أطفالهما، فحث الرجل عند اختيار زوجته أن يظفر بذات الدين، وحث المرأة أيضا عند اختيار زوجها أن تختار من هو على خلق ودين، وذلك حتى ينشأ أولادهما نشأة صالحة.
وقد فصل الإسلام العلاقة بين الرجل والزجة تفصيلا، وأشار القرآن إلى أن الزواج سنة قديمة قدم الأزل حيث بين أن الرسل السابقين كان لهم كثير من الزوجات والأولاد، ومن هنا شجع الإسلام الزواج ورغب الناس فيه، فالزواج من منظور إسلامى علاقة أساسها الحب بين الزوجين، علاقة تقوم على الثقة المتبادلة والسعادة المشتركة، ومن هنا كان التحريم الشديد للزنا يقول الله عز وجل: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا.
فكما يتضح لنا من هذه الآية، لا ينهانا الله عز وجل عن اقتراف إثم الزنا فحسب بل كل ما هو من شأنه أن يقربنا إليه من خطوات، كالخلو بإمراة أو لمسها أو الذهاب معها إلى أماكن يرتكب فيها المحرمات إلخ.
وقد جعل الإسلام لكلا الزوجين حقوقاً على الآخر، فمن حقوق الرجل على المرأة أن تبادله الحب والإحترام، وأن تعينه على إدارة أموره، وأن تعتنى بشئون الأولاد وتحسن تربيتهم، وكذلك من حقوق المرأة على الرجل أن يصدقها الحب، ويبادلها الإحترام، وأن يمازحها ويشاطرها الضحكات، وأن يكون عذب الحديث معها لا يتملكه الغضب، وأن يتكفل بالنفقة عليها، وهذا لا يمنع المرأة من حق العمل فلها أن تعمل إن شاءت، و أن يكون لها ثروتها الخاصة مع حقها فى إنفاق زوجها عليها، ويذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم أُرسل إليه طعاماً مقدم في طبق، فقامت زوجته عائشة رضى الله عنها وقذفته فوقع الطعام على الأرض وانكسر الطبق ، فكيف لأي زوج أن يتصرف في هذا الموقف لا بد وأن ستكون له ردة فعل غاضبة، ولكن انظر إلى ماكان من رسول الله، قام فجمع ما وقع من طعام وجلس يأكل مع أهله مجدداً، فهذا خير مثال يضربه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم في التحلي بروح الصبر وعدم الغضب، ولذا لم يرغب الإسلام مطلقا على الطلاق وجعله خياراً أخيراً لا يلجأ إليه إلا إذا استحالت العشرة بين الزوجين التى لا تأتى إلا عن طريق عدم فهم معنى الزواج وما يتبعه من مسئوليات.

علاقة الآباء بالأبنــــــــاء
أعطى الإسلام للأباء مكانة عظيمة وجعل توقيرهما واحترامهما خلف مرتبة الإيمان باللله عز وجل ، فحق الأبناء على الآباء أن يربوهما تربية صحيحة، وحق الأبناء على الآباء أن يبروهما ويظهروا لهما أشد أنواع الإحترام المتمثل في التواضع معهما والخضوع لهما و طاعتهما، بل أن القرآن قد حث الأبناء في أحد المواضع بأن يتحلوا بالأدب الجم عند التعامل مع آبائهما و لا ينهرهما بل ولا ينطقا فى وجههما بمجرد همهمات تدل على التأفف وأن يكونا مثالا للإعتراف بالجميل لهما، فهذان الكهلان الذين قاما على تربية أبنائهما صغار حسن التربية من حقهما على أبنائهم أن يحسنوا إليهم فى كبرهم.
والإسلام لا يعترف بتحديد النسل ولا يقره أو يشجع عليه بل على النقيض تراه يرغب على الإنجاب والتكاثر، وذلك وإن كان يأتى على عكس ما تنادى به بعض المجتمعات اليوم من ضرورة تحديد عدد الأسرة وأن لا تزيد عن واحد أو اثنين إلا أننا نرى له حكمة فى الإسلام منها تزايد عدد المسلمين التى ستقوى معها بالضرورة إقامة العلاقات ناهيك عن أن التكاثر في الاولاد يدخل المزيد من البهجة على النفوس عند التقابل في الاجتماعات وهي بهجة لا يشعر بها من كان وحيدا أو ليس له سوى أخ واحد أو أخت.
والعلاقة بين الآباء والأبناء في الإسلام إنما هي علاقة قائمة على الحب والمودة، فقد ذكر أن أحد الصحابة شاهد النبى صلى الله عليه وسلم وهو يداعب أحد أحفاده ويقبله، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم وأخبره أن له من الأبناء عشرة ما قبل أحدهم قط ولا حتى مجرد قبلة ينامون معها، فأوضح له النبى صلى الله عليه وسلم أنه مخطئ في تصرفه، وأخبره أن ما يبديه من حب وعطف ورحمة لأولاده صغاراً يبادلونك إياه في كبره وإلا فلا. لذا فمجرد بسمة في وجه طفلك أو تقبيلك له أو إهدائه كلمة بسيطة قد يكون له تأثيراً كبيراً.
ولأن الإسلام دين أساسه العدل والمساواة بين البشر ألزم الآباء أن يقسطوا إلى أبنائهم وأن لا يفضلوا أحداً على الأخر ، فيروى أن أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء ذات يوم ومنح أحد ابنائه هدية دون الأخرين، فلم تشعر زوجته بالراحه حيال صنيعه هذا، وطلبت منه أن يسأل النبى صلى الله عليه وسلم في ما فعل فذهب للنبى صلى اله عليه وسلم وقص عليه الخبر فأجابه النبى صلى الله عليه وسلم هل صنعت ذلك مع جميع أولادك، فقال له الصحابى لا بل آثرت واحداً فقط دون الباقين فقال له النبى صلى الله عليه وسلم أن اتق الله واعدل بين ابنائك.
وتتجلى أيضًا المساواة والعدل في الإسلام في الميراث الذى لا يسمح فيه لإبن أن يأخد أكثر من أخيه ولا لبنت أن تنال نصيبا أكثر من نصيب أختها، ونرى في الميراث أيضا جانباً أخر من جوانب الترابط الأسرى والحفاظ على العلاقات الإجتماعية، فهو توطيد لتلك العلاقات حتى بعد الممات وهو ما لا نراه في مجتمعات أخرى حيث يذهب مال المتوفى إلى جمعية خيرية أو إلى أحد أصدقائه بل وربما ذهب إلى أحد حيواناته الأليفة، أما في الإسلام فالأمر مختلف حيث يذهب المال بترتيب معين لأهل المتوفى وإذا غاب أحد أصحاب الميراث ذهب لمن بعده في المرتبه داخل الأسرة، فكل أهل المتوفى لهم حق في الميراث طبقاً لنظام محدد، ومن هذا المنطلق نرى أنه لا يجوز لأي شخص أن يذكر في وصيته رغبته في كتابة أكثر من ثلث ماله لفرد أو جهة معينة، بمعنى أن ثلثى التركة لا بد وأن يكون لأهل المتوفي من الوارثين الشرعيين.
ومن هنا حض الإسلام على صلة الأرحام ونهى عن قطعها ، فلم يأمر بود الآباء فقط، بل كافة الأقارب من عم أوخال أو جد وغيرهما ، وهو الأمر الذى لا نلتمسه في كثير من المجتمعات التى لا تدين بالإسلام حيث انتشار قطيعة الرحم التى قد تصل بين الإبناء والآباء لحد الشهور بل والسنوات، لذا كان سبب الهدوء والسكينة التى ينعم بها الفرد المسلم في حياته هو حفاظه على إبقاء روح الود والمحبة بينه وبين أقاربه، والسعى إلى الحفاظ على تلك العلاقة الأسرية الدافئة بينهما.

الأصدقاء والجيران
تلك علاقة من الأهمية بمكان أيضاً في الإسلام فقد حض الإسلام أتباعه أن يحسنوا معاملة الأصدقاء، وجاء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال خير الأصحاب عند الله خيركم لصاحبه، بمعنى أن يكون سلوك الصاحب مع صاحبه سلوكاً حسنا وأن يكون الصاحب أهلاً للثقة، وأن يبتسم فى وجه صاحبه عند اللقاء.
ومن هنا كانت دعوة الإسلام للتحية بين الأصدقاء عند المقابلة، حيث يقابل الرجل صديقه مبتسما وتتلامس يدهما بالمصافحة فتزداد أواصر المحبة بينهما وتشتد عرى الصداقة.
وهناك مواقف كثيرة ووقائع تدل على مدى كانت قوة الصداقة بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذكر منها موقف خرج فيه النبى صلى الله عليه وسلم برفقة اثنين من أصحابه سعياً للبحث عن الطعام، فاستضافهم أحد الصحابة في بيته وقدم لهم طعاما هنيئا، وفي رواية أخرى يذكر أن أحد الصحابة دعى بعض أصحابه لطعام العشاء في بيته غير أنه لم يكن لديه ما يكفي من الطعام، فجاء وقت الطعام فأطفأ السراج لتسود الظلمة ويكف هو عن الطعام فلا يرى حاله ضيوفه ويستمروا هم في تناول طعامهم، فكل هذه المواقف وغيرها تدل على معنى الصداقة الحقيقي التى لن تنتهى أبدا وستبقى تتجدا دوما، صداقة تصل إلى الحد الذى يضحى فيه صديق بنفسه من أجل صديقه.
وفي هذا السياق علينا أن نذكر أيضا تأكيد الإسلام على حسن العلاقة بين المرء وجاره والمحافظة على حقوق الجار، فقد أمرنا الإسلام بالإحسان إلى الجار ومعاملته معاملة طيبة وأن لا نعترض مصالحه وأن يصير المرء أهل لثقة جاره، حتى وإن كان هذا الجار على غير دين الإسلام فله حقوق الجار أيضا، ولكم رأينا كيف كان جيريل عليه السلام يوصى النبى صلى الله عليه وسلم بالجار مرارا، بل ومن الأمور التى تدل على العلاقة الطيبه بين الرجل وجاره فى الإسلام ما يعرف بحق الشفعة، بمعنى أنه لو أراد رجلاً أن يبيع بيته مثلا فلا يجب عليه أن يعلن هذا، إلا بعد أن يذهب إلى جاره القريب أولاً سائلا إياه إن كانت له رغبة فى شراء بيته من عدمه، مقترحاً عليه سعراً مناسبا فإن كانت له رغبة فهو أولى به، وذلك حتى لا يأتى رجل جديداً يبتاع البيت ويتسبب في حدوث مشاكل مع هذا الجار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *