الحياة والموت من المنظور الإسلامي
09/20/2015
300
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

منذ بدء الخليقة، والإنسان يرى شروق الشمس بمنظره المهيب من جهة الشرق كل صباح، وغروبها جهة الغرب عند كل مساء. منذ بدء الخليقة، رأى الإنسان أنواعاً مختلفة من الكائنات، منها ما يسبح في البحر، ومنها ما يعيش على البر، ومنها ما يحلق في السماء.
وعلى مدى قرون عديدة، فكر الإنسان ملياً في مغزى وجوده في هذه الحياة. يولد الإنسان من رحم أمه هشاً ضعيفاً لا يقوى على شيء، بعضهم يكبر ليحيى حياة بسيطة، ليعمل بزراعة الأرض، ويجنى ما يكفي لإطعامه هو وأسرته بالكاد، والبعض الآخر يجمع كنوز الأرض ويصبح ملكاً. بمرور العصور المختلفة، شهدت الإنسانية أنواعاً مختلفة من الرجال، فهناك نوع من الرجال يسعى جاهداً من أجل الخير، ويهب حياته لمصلحة الآخرين، وهناك نوع آخر يتحول إلى طاغية؛ يدمر ويذبح بني جنسه من البشر. كما شهدت الإنسانية أمما عاشت في سلام واستقرار، وأمما أخرى ُابتليت بالكوارث والحروب والمذابح. بعد ذلك، عقب مشاهدته لكل ذلك، هناك سؤال دار بخلد الإنسان، وهو لماذا؟
لماذا يسير الأمر بهذه الوتيرة؟ لماذا نبدأ حياتنا بتلك الحالة من الضعف والهشاشة عند خروجنا من رحم أمهاتنا لا نفقه شيئا، ثم ننمو لنصير أقوياء وذوي بأس في سن الرشد، ثم نعود ضعافاً لا نقوى على شيء في سن الشيخوخة؟ كما بدأنا نعود.
لماذا نأكل ونشرب ونعمل ونكافح ونكدح في هذه الحياة القصيرة؟
لماذا نعاني، ونقلق، ونشعر بالوحدة في بعض الأحيان، ونبكي؟ ما الهدف؟ ما الغاية؟ ما هو المغزى من الحياة؟ إن السؤال بشكل جوهري هو… لماذا نحن موجودون في هذه الحياة؟
يوضح الإسلام أن وجودنا في هذا العالم ليس أمراً عبثياً أو لا طائل من ورائه؛ بل إن هناك هدفاً ومغزى من وجودنا. وبلا شك لابد أن يكون هناك هدف؛ حيث إن العقل السليم يرفض بشدة أن يكون وجودنا في هذا العالم محض صدفة. يمكن إدراك الهدف من وجودنا إذا فهمنا وتقبلنا وجود حقيقة أساسية في البدء، ألا وهي أننا خلقنا بواسطة كينونة أعظم وأقوى، ألا وهي الخالق أو الإله. ومرة أخرى يرفض العقل السليم قبول أننا أوجدنا أنفسنا على هذه الأرض بالصدفة. نطق به لسان الفطرة عند الأعرابي عندما سُئل عن دليل وجود الله ؟ فقال: البعرة تدل على البعير .. والأثر يدل على المسير .. فسماء ذات أبراج .. وأرض ذات فجاج .. ألا تدل على العليم الخبير … إن أياً منا إذا قام بالبحث داخل ذاته وفى أعماق قلبه فسوف يجد الهدوء والسكينة التي ترتبط بمعرفة خالقه.
عندما نقبل بتلك الحقيقة كشرط أساسي، يصبح الهدف من الحياة أمراً جلياً. فمثلما يتوجه أي منا بالشكر إلى الشخص الذي أقرضه المال في أوقات الشدة، أو وقف بجوارنا وشد من أزرنا في الأوقات العصيبة، لذا ينبغي على المرء أن يتوجه بالشكر لخالقه الذي أوجده، الذي أعطاه أموراً أفضل بكثير من تلك؛ فقد أعطاه الهواء الذي يتنفسه ليحيى، وأعطاه البصر الذي يرى به جمال العالم من حوله، وأعطاه السمع ليصغي إلى عذوبة صوت ولده عندما ينادي اسمه، والذي منحه العقل ليدرك ويفهم ويفكر…وغيرها وغيرها من النعم الكثيرة.
إن شكر الله عز وجل والتسبيح بحمده يشكل أساس حياة المرء المسلم. كما لو أن أحدهم دفعك بعيداً عن الطريق لينقذ حياتك من سيارة مسرعة، عندها تكون مديناً له بحياتك، وبالمثل، نحن مدينين لله الخالق سبحانه وتعالى بالحياة التي منحنا إياها. ومن ثم، فالإسلام يبين أن المسلم يحيى لعبادة الله عز وجل، وهذا هو تحديداً الهدف والمغزى من حياة المرء المسلم؛ فقد وعد الله سبحانه وتعالى عباده الشاكرين بالثواب العظيم في الدنيا وفي الآخرة.
ولذا، فكل فرد يجتهد ليعبد الله سبحانه وتعالى بأفضل شكل ممكن، حيث إنه سينال المكافأة والثواب العظيم؛ ألا وهو دخول الجنة حيث السعادة والنعيم المقيم، حيث لا خوف ولا حزن، ليحيى حياة لا انتهاء لها، ويسعد بالراحة والسلام والسكينة، وينعم بجنات تجري من تحتها الأنهار وفاكهة لا مثيل لها وغيرها مما لم تره عين ولم يخطر على قلب بشر.
فالحياة على الأرض هي اختبار وامتحان لتحديد من يستحق العيش في الجنة ومن لا يستحق، فهذه الحياة هي لجمع الحسنات، والحياة الآخرة هي حيث سيلقى الذين اكتسبوا الحسنات الثواب الوفير، ويلقى الذين اكتسبوا السيئات العذاب المقيم.
ومع ذلك، فعبادة الله سبحانه وتعالى لا تعني أن يحيى المرء حياة من العزلة والتكريس للعبادة، ففي الواقع ليس هذا هو المفهوم الصحيح للتعبد. فقد ورد في الصحيح أن نفراً من المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عقدوا العزم على الاستزادة من الطاعات ما استطاعوا، فقال أحدهم: أما أنا فأعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، وقال الآخر: وأما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الثالث: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم نهاهم عن ذلك، وقال :‏ما بال أقوام يقولون‏:‏ كذا، وكذا، لكني أصلي، وأنام، وأصوم، وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏. ثم بين لهم أن المسلم الصالح، المسلم المعتدل، هو الذي يعبد ربه وفي الوقت نفسه يستمتع بمباهج الحياة، سواء كانت تلك المباهج هي الزواج أو الأبناء أو غيرها من متع الحياة البسيطة؛ كالنوم بالليل أو تناول الطعام في النهار.
يشجع الإسلام على بناء العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، حتى لا يشعر أحد بالوحدة أو العزلة، ويسعى الإسلام إلى إيجاد حياة من المساواة بين جميع الناس، فأي مسلم يرغب في أداء فريضة حج بيت الله الحرام بمكة عليه أن يرتدي قطعتين من القماش الأبيض، كتعبير عن المساواة بين الجميع، حيث إنه عندما يرتدى الجميع الملابس البيضاء يصبح من العسير التمييز بين الغني والفقير، وتصير المساواة بين الجميع تامة وكاملة.
العلاقات الأسرية التي يشار إليها في العربية باسم صلة الرحم، تعني الحفاظ على علاقات طيبة مع الأقارب والإحسان إليهم قدر الإمكان. يشدد الإسلام على أهمية الحفاظ على علاقات طيبة مع الأقارب، فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(74) وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ الأنفال: ٧٤ – ٧٥ ويقول أيضاً :وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا النساء: ٣٦. وفي القرآن آيات أخرى تبين أهمية العلاقات والروابط الأسرية، فيقول الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًاالإسراء: ٢٣ – ٢٤ . الحفاظ على العلاقات الأسرية يتأتى من خلال زيارة الأقارب، ودعوتهم إلى الزيارة، والسؤال عن أحوالهم، وتقديم الهدايا والمال لهم إذا كانوا فقراء، ومشاركتهم في أفراحهم، وزيارة مريضهم، وغيرها من الأمور التي ترسخ العلاقات وتزيد قوتها بين أفراد العائلة الواحدة.
إن المنظور الإسلامي للحياة يقتضى أن يحسن المرء المسلم معاملة أبيه وأمه، وإخوته وأخواته، وأعمامه وأخواله، وغيرهم من ذوى القربى. وهذا ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، فهو يعلق أهمية شديدة على حسن معاملة ذوى القربى والحفاظ على علاقة جيدة بهم في الحياة.
كما أن الإسلام هو دين يسمح بالتمتع بمباهج الحياة وزينتها، على خلاف ما قد يظنه البعض؛ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الأعراف: ٣١ – ٣٢ . ويقول أيضاً:وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ القصص: ٧٧ . تشير تلك الآيات السابقة إلى أن الإنسان ينبغي أن يكون معتدلاً في إنفاقه وفى مأكله ومشربه، وفي جميع جوانب حياته. فقد يظن البعض أن التمتع بمباهج الحياة وترفها يتنافى مع صحة العبادة، إلا أن هذا ليس صحيحاً، فالإسلام لا يحرم اقتناء الممتلكات الثمينة والسيارات والملابس الغالية، فإذا كان المرء غنياً فليس عليه حرج أن ينفق هذا المال على أمور مترفة، إذا كان ذلك ضمن حدود، وتلك الحدود كما ذكرنا تتعلق بتجنب التبذير والإسراف، وأن يؤدى حق هذا المال من زكاة وغيرها.
لا يحرم الإسلام السفر والتجوال حول العالم وزيارة الأماكن المختلفة، طالما كان ذلك لا يشغل الإنسان عن أمور أكثر أهمية في الحياة. فحياة المسلم هي بشكل جوهري حياة طبيعية للغاية، لا تكبلها قيود من أي نوع.
وعلى النحو ذاته، ينبغي أن تكون حياة المسلم منظمة ومرتبة ومنهجية. فالمسلم يؤدي خمس صلوات في اليوم، وكما أسلفنا، فإن الإسلام ليس ديناً يدعوا إلى الاعتزال لأداء العبادة والتوحد، يوضح ذلك أن كل صلاة لا تستغرق سوى من 10 دقائق إلى 20 دقيقة فقط. فضلاً عن أن المسلم عندما يؤدي صلواته الخمس في المسجد، فإنه يتواصل مع إخوانه من المسلمين والرفقاء والأصدقاء، وبذلك تدوم حيوية علاقات الصداقة والتقارب بين أفراد المجتمع. ومن ثم، فإن أحد العوامل المترتبة على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها هو انتظام الحياة اليومية للمرء المسلم وفق وتيرة معينة ترتبط بأداء الصلوات الخمس في أوقاتها.
لذلك، فإن الإسلام فيما يتعلق بالعبادة، يقيم نوعاً من التوازن بين قلة أداء العبادات وعدم الانتظام فيها والتي تؤدي إلى دخول الريبة إلى قلب المرء، وبين الإفراط في العبادة والتزمت فيها والتي تؤدي إلى وسوسة المرء بشأن خالقه وسبب وجوده في الحياة.
إن المنظور الإسلامي للحياة يتضمن أيضا الشعور بالرضا والاطمئنان إزاء الحياة، وذلك أن المرء المسلم يدرك أن تلك الحياة ما هي إلا أعوام قصيرة وتنقضي، فقد يعيش البعض ليبلغ الستين والسبعين، وقد يبلغ البعض الثمانين والتسعين وربما أكثر، والبعض الآخر لا يحيى ليبلغ العشرين أو ربما أقل. إلا أن الاعتقاد بأن هناك وجود أكبر في الحياة الآخرة، حيث لا موت ولا فناء، يحث المسلم ويحفزه، ويشكل هدفاً لحياته. وفي الواقع، فإن المرء الذي يعتقد أنه لا حياة بعد الموت وأنه لا وجود للدار الآخرة، يعيش في تعاسة حيث يعلم أنه مع شروق شمس كل صباح، فإنه يقترب خطوة من الموت، لذا فلا يهم كم من مال وفير يملك، ففي النهاية لن يستطيع أن يأخذه معه إلى قبره. كان هذا اعتقاد الفراعنة المصريين الذين عاشوا في سالف الزمان، حيث كانوا يؤمنون أن ثرواتهم وأموالهم سوف تذهب معهم إلى قبورهم، لذا فقد كانوا يٌدفنون مع حليهم الذهبية وكنوزهم فقط لينهبها ويستولي عليها سارقي القبور فيما بعد؛ وهذا يبين بوضوح أن أموالهم وكنوزهم لم تنفعهم بعد الموت. وبلا شك فإن مباهج تلك الحياة وزينتها فانية وزائلة، ومن ثم فعلى المرء المسلم ألا يفرط في تعلقه بتلك المتع الزائلة.
كما أن العقل السليم لا يمكن أن يقبل أن شيئاً لن يحدث بعد أن ُنوارى التراب، فلو كان هذا صحيحا؛ وهو أن شيئا لن يحدث بعد موتنا وأننا سوف نرقد في قبورنا حتى تستحيل عظامنا تراباً كالذي دفنا فيه، إذن متى سترد المظالم التي ارتكبها الظالمون بحق الضعفاء إلى أهلها؟ متى سيحاسب الطغاة على ما اقترفوه في حق الضعفاء؟ وبالمثل، متى سيكافأ المتقون على صلاحهم؟ بلا شك، لابد أن يكون هناك دار قرار حيث توضع العدالة موضع التنفيذ، فيتلقى الظالمون العقاب الذي يستحقونه، ويلقى الصالحون الثواب والنعيم الذي وعدوه.
بالطبع، لو لم يكن هذا هو الحال، فإن الإنسان الذي عاش حياة من الصلاح والتقوى، وبذل في سبيل الآخرين كل ما يستطيع من المعروف والإحسان، لن يميزه شيء عن إنسان آخر قاتل أو مجرم؛ فكلاهما سيتحلل في قبره ويظل فيه إلى مالا نهاية، وهذا شيء لا يمكن للعقل السليم أن يقبله.
ولذا، فإن المنظور الإسلامي بصدد الحياة بعد الموت يقتضي الإيمان بيوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم، حيث سيقف جميع البشر بين يدي الخالق سبحانه وتعالى ليفصل بينهم. والإيمان بهذا اليوم هو أمر لا غنى عنه، ليحيى المرء حياة من السكينة والاطمئنان، نابعة من اليقين بأن هناك حياة بعد الموت، وأن جميع البشر سيبعثون من قبورهم، وأن الخير سيهزم الشر في هذا اليوم.
لذلك، يؤكد الإسلام على أن الموت ليس هو نهاية المطاف، بل هو بداية جزء جديد من الرحلة، أو الصفحة الأولى في فصل جديد، فالموت يفتح الباب لحياة أخرى جديدة تماماً، حياة لا انتهاء لها، إما الخلود في الجنة أو في النار. إن هذا الأمل أو هذا الإيمان هو ما يدفع المرء للتشبث بالأمل والتفاؤل في تلك الحياة التي نعيشها. فالشخص الذي لا يؤمن بالحياة الآخرة يحيى بلا هدف ولا طموح ولا أمل ولا تطلعات…باستثناء أنه سيدفن ويوارى التراب وينتهي الأمر.
ولذا، فإن تلك الحياة التي نحياها هي مجرد حياة مؤقتة، حياة هي في جوهرها مجرد نقطة انطلاق للحياة الأبدية. لذلك، يمكننا أن نعتبر أن شروق الشمس المهيب كل صباح وغروبها في نهاية اليوم، هو إشارة من الله الخالق سبحانه وتعالى الذي ليس له شريك، لنتفكر ونتأمل في الحياة الآخرة. إن سلاسل الجبال العظيمة والأودية والأنهار، جميعها دلائل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، لنتدبر ونتأمل في وجود الله الواحد الأحد. فجميع المخلوقات التي تسكن البحر، كبيرها وصغيرها، من الحوت وحتى الأسماك الصغيرة، وجميع الحيوانات التي تحيى على الأرض، عظيمها ودقيقها، من الفيل وحتى النملة الصغيرة، وجميع الطيور التي تخفق بأجنحتها في السماء…كل تلك الكائنات بهذا الوجود البالغ الدقة والإحكام تشير إلى وجود الخالق عز وجل. كل تلك المخلوقات أوجدها الله سبحانه وتعالى لتعين الإنسان على الاستمرار والتطور، حيث أنها تشكل نظاما متكاملا ومتوازنا يمد الإنسان بجميع مطالب الحياة اللازمة. وحيث إن آثار الخطوات على رمال الصحراء لا يمكن أن تحدث من تلقاء ذاتها، فكذلك لا يمكن أن يوجد هذا الكون المعجز والمذهل من تلقاء ذاته، بدون وجود خالق جبار أوجد هذا الكون بمثل هذا الجمال والإحكام.
إن الله تعالى سيفصل بين مخلوقاته ويحكم بينهم يوم القيامة، في هذا اليوم سيجزى كل امرئ بما كسب، سواء أكان فلاحاً عاش حياة بسيطة وفقيرة، أو ملكا عاش حياة مترفة وباذخة، أو طاغية ظلم الناس وافترى عليهم، أو شخصاً تقياً كريماً ضحى بنفسه من أجل الآخرين.
وبالتالي، فكل شخص عاقل يجد بداخله هدفاً ما، فإنه يجد السكينة في هذه الحياة، ويفهم ما يراه من حوله…أن كل هذا الكون هو صنيعة الله سبحانه وتعالى لأجلنا، وأن الغرض من وجودنا في هذه الحياة هو أن نشكر الله ونعبده وحده ولا نشرك به شيئاً.
وختاماً، فإن كل نفس ذائقة الموت، ويبقى السؤال هو…على أي حال يموت المرء؟ على حال من التخبط، والحياة الفوضوية التي لا اتجاه لها، وبذلك يظل المرء سائراً في نفق طويل مظلم بدون بصيص من الضوء، أم على حال من الحياة الإسلامية المليئة بالأهداف والغايات، وبذلك يكون المرء سائراً في طريق واضح تحفه الأشجار تحت سماء مشرقة، ومتوجهاً صوب غاية محددة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *