الإســـــــلام: نظــــــرة عامة
09/20/2015
252
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

يعد الإسلام نظاماً شاملاً ومتكاملاً للأفكار والمعتقدات، يعمل على التقريب بين النواحي الأخلاقية والنواحي الدنيوية ليضمها جميعاً في نظام واحد مثالي يضع الفضائل والأخلاق في المقام الأول.
ويهدف الإسلام إلى خلق مجتمع تسوده الأخلاق والعدالة والمساواة. ومن ثم، فإن الإسلام كمفهوم له تطبيقات متعددة، فهو عقيدة، واعتقاد شخصي، وتوجه ثقافي، ونموذج مثالي للتعاملات اليومية على كلا الصعيدين القياسي والفعلي. وفى هذا الصدد، يختلف الإسلام عن غيره من الديانات حيث يتميز بطبيعة مزدوجة. فهو يجمع بين مفهومين متداخلين لا يمكن الفصل بينهما: الأول باعتباره دينا أو اعتقاداً شخصياً، والثاني باعتباره نظاما أو أسلوباً للحياة. يركز المفهوم الأول على مسألة العقيدة أو الإيمان.
بينما يهتم المفهوم الثاني بالتطبيق الفعلي للمبادئ الإسلامية السامية في واقع الحياة العملي، بحيث يتجلى هذا الاعتقاد في تصرفات وتعاملات المسلمين في حياتهم اليومية.
ونظراً لأن الإسلام باعتباره ديناً أو أسلوباً للحياة هو مفهوم ذو نطاق عريض وشامل، فإن هذه المقالة سوف تقتصر على دراسة أمرين، أولهما: المعتقدات الإيمانية للإسلام أو إطاره المرجعي كما هو مبين في القرآن والسنة، والثاني: مقتضيات الإسلام بالنسبة للواقع الاعتقادي والعملي للمجتمعات المسلم
——————————————————————————–
الإسلام كدين ونظام اعتقادي
ورد ذكر كلمة دين في 101 موضع في القرآن الكريم، وكلمة دين في اللغة العربية لها ثلاثة معاني: السيطرة، والخضوع، والعرف أو العادة. تعبر كلمة دين عن التوجهات الفكرية والنظام السلوكي الذي يتبعه الشخص في إدراكه لسمو كينونة ما، وفى خضوعه وإذعانه لتلك الكينونة. ونسبة الدين لله وحده تعنى أنه لا يجوز إشراك غيره في العبادة، وأنه ينبغي على المرء التوجه بالعبادة لله وحده، وإتباع شريعته وإطاعة أوامره.
ومن ثم، فإن الإسلام كدين يقدم للبشرية البناء الإدراكي الذي من خلاله يشكل الإنسان نظرته للكون من حوله. وهذا يشمل إدراكه ورؤيته وينبني على ذلك فهمه لوجود الله سبحانه وتعالى خالق الكون كله، وأيضا فهمه ورؤيته لعلاقته بالله سبحانه وتعالى وعلاقته بالمجتمع. وبناء عليه، فإن المسلم ينمى اتجاهه وإحساسه بالمسؤولية إزاء تحقيق مبادئ وتعاليم هذا الدين. إلا أن الطابع القدسي للإسلام يعد أمراً أساسياً، وذلك أنه دين سماوي منزل من عند الله سبحانه وتعالى. تقوم تعاليم الإسلام على القرآن والسنة؛ الأول هو كلام الله سبحانه وتعالى الذي أوحاه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. أما السنة فهي تعاليم وكلمات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أو ببساطة هي أسلوبه في الحياة. يعمل هذان المصدران سويا على تزويد المسلمين بمصدر متجدد للتوجيه والإرشاد وفهم الإسلام ووصاياه الدينية والاجتماعية. وبالاعتماد على هذين المصدرين، ينبغي على المسلمين أن يطوروا أنظمتهم الاجتماعية وقوانينهم وكذلك حكوماتهم.
وعلى الصعيد الاعتقادي أو الإيماني، يضع الإسلام نظاما إيمانيا يرتكز على مفهوم الوحدانية لله تعالى وعدم إشراكه بالعبادة. إن الرابط الأساسي بين المرء ودينه هي الشهادة، والتي من خلالها يؤكد المسلم يقينه بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وكذلك إيمانه بالملائكة والكتب السماوية والرسل واليوم الآخر. وبالتالي فإن التلفظ بالشهادة يحرر المسلم من جميع أنواع الخضوع والإذعان، ليتوجه بها جميعا لله سبحانه وتعالى. وبالتالي فإنها تلغى جميع القيود والعوائق التي تحد من قدرة المرء على الابتكار والتفكير. ويتجلى التطبيق العملي لذلك من خلال أداء الواجبات والفرائض الدينية كوسيلة يحافظ بها المرء على نمط ثابت ومتسق، يتوافق فيه سلوك المرء المسلم مع معتقداته.
وفى الوقت ذاته، يهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بالإنسانية، وذلك مذكور بشكل صريح في القرآن الكريم. فالقرآن يتحدث عن الإنسان باعتباره أرقى المخلوقات وأكثرها تكريماً، يظهر ذلك التكريم جلياً في سجود الملائكة له عند خلقه. ولذا، فإن الإنسان قد أؤتمن على مهمة بناء نظام اجتماعي على الأرض يقوم على الفضائل والأخلاق. ومن أجل تحقيق هذا الهدف فإن الإسلام قد أمد الإنسان بمجموعة من المبادئ الإرشادية العامة، مع التركيز بشكل خاص على الخلق، والعلم، والعدالة باعتبارها أركان جوهرية لعملية إنشاء هذا النظام الاجتماعي. هذه المبادئ الإرشادية يمكن توضيحها بشكل موجز كما يلي:
1- يولى الإسلام احتراما خاصا لخلق الإنسان، وبذلك فإنه يؤكد ضمنيا على أن الإنسان لم يخلق عبثا. يقول الله تعالى :أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(المؤمنون:115.). بل إن الإنسان قد ُخلق ليكون خليفة الله على الأرض، وبذلك التفويض فإن مهمة الإنسان هي عبادة الله وحده. يقول الله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (سورةَ الذاريات: 56).
إلا أن الإسلام بمثل هذا التوجيه الشامل يهدف إلى التأكيد على الارتباط بين التزام الإنسان بالفضائل والقيم من جهة، ومن جهة أخرى قدرته على تأسيس حضارة إنسانية عادلة وفاضلة على الأرض بإتباعه المبادئ الإسلامية.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فإن الإنسان عند خلقه يتحلى ببعض الصفات الأخلاقية الأساسية مثل كونه عادلا، أو كونه يميل بشكل غريزي إلى الأعمال الحسنة. هذه الصفات موجودة بشكل فطرى، ولدى جميع البشر بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم. وبالتماشي مع هذا الاتجاه، فإن القرآن ُيولى اهتماماً خاصاً لحرية الإنسان في اختيار دينه ومعتقده، للتأكيد على أهمية مبدأ حرية الاختيار كأساس للمحاسبة والمسئولية.
في هذا الصدد، ينُص القرآن الكريم على أنه:لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ البقرة: 256
كما يؤكد القرآن باستمرار أيضا على أهمية ترك الحرية للشخص في اختيار دينه. ففي القرآن الكريم يخبر الله تعالى نبيه وبالتالي عامة المسلمين:إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ القصص: 56 وفى موقف آخر يعلق القرآن الكريم على إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس إلى الإسلام فيقول:أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ يونس: 99 وينص القرآن أيضا على أن: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ المدثر: 38.
بل إن القرآن الكريم يذهب إلى مستوى أبعد في التأكيد على حرية المرء في الاختيار، فلا يعترف بقرارات المرء أو تصرفاته التي يأتي بها مكرها؛ إذا كان قلبه مطمئن بالإيمان.
وبناء عليه، فإن الإنسان المثالي – طبقا للمنظور الإسلامي – هو الذي يجمع بين الفضائل الأخلاقية والإذعان والخضوع التامين لله سبحانه وتعالى. ولمساعدته في اختيار الطريق الصحيح، فإن الإنسان قد ُمنح الإدراك والإرادة حتى يتسنى له فهم الغرض الذي ُخلق من أجله، ويفعل ذلك عن طريق المعرفة الموجودة لديه بشكل طبيعي. وكما يبين القرآن، فإن الفارق بين الخير والشر متأصل في صورة إلهام، وهى صورة الإرشاد التي يفترض من خلالها أن ينمى البشر قدرتهم على مراجعة تصرفاتهم والحكم عليها، وإتباع ما يؤدى بهم إلى سبيل الرشاد.
2 – العلم أي المعرفة أو الوعي بأن الإسلام هو الدين الحق من عند الله سبحانه وتعالى، تلك المعرفة لها أهمية بالغة بالنسبة للإنسان ليتمكن من الارتقاء إلى ما هو مطلوب منه باعتباره خليفة الله في الأرض. كما أن المعرفة تستخدم كمعيار رئيسي لتصنيف الناس والتفريق بينهم. وتعتبر المعرفة أيضا عنصراً أساسياً بالنسبة للناس حتى يدركوا وجود الله سبحانه وتعالى ومن ثم يخشونه. ومواكبة لهذا التأكيد الخاص على أهمية المعرفة، فإن القرآن يحث الإنسان دوماً على فهم الكون المحيط به، وقوانينه وأنظمته.
كما يؤكد القرآن على أن اكتساب المعرفة في المجالات المختلفة هو أمر حتمي، وذلك لأن المعرفة تشحذ إدراك الإنسان وتصقله، وتمكنه من التعامل على نحو مسؤول مع جميع القضايا أو الظواهر أو المشاكل التي قد تطرح نفسها.
ولذلك، فإن المنهجية المحددة للقرآن تمد الإنسان بطائفة من الأساليب التي تتضمن الملاحظة، والحجة القوية، والمجادلة بالتي هي أحسن. كما يشير القرآن أيضا إلى أهمية الاستدلال وعقد المقارنات والتحليل المتزن القائم على جميع البيانات المتوفرة، والمستند إلى رجاحة العقل وقدرات التحليل المنطقي لهؤلاء الذين يتمتعون بإمكانات عقلية فائقة أو قدرات علمية. ولذا، فإن المنهج القرآني يؤكد من جانب على أهمية وعى الأفراد وإدراكهم لما يحيط بهم، وإمعان التفكير في أبعاد وجودهم، وعلاقتهم بالكون من حولهم.
ومن جانب آخر، يعكس تثمين الإسلام واحترامه للعقل ودوره في مساعدة البشرية على التأمل والفهم وإماطة اللثام عن الأسرار الكونية، ومن ثم يصبح الإنسان أكثر قدرة على تحقيق الانتفاع الأمثل منها. وفى هذا الصدد، حينما يرد ذكر العقل فإن القرآن يمجده، ويجذب الاهتمام إلى ضرورة استخدامه. بل إن القرآن دائما ما يذكر العقل بطريقة إيجابية على كلا المستويين المعنوي واللفظي . يكاد يكون ذكر العقل متكرراً في كل موضع يصدر فيه أمر أو نهى، فدائما ما يتكرر النداء للمؤمنين في هذه المواضع بضرورة توظيف العقل، ويلامون على عدم فعلهم ذلك.
3- العدالة إن العدالة هي القيمة الأخلاقية الأسمى في المجتمع الإسلامي، وبشكل عام يتم تحقيق العدالة من خلال تنفيذ شريعة الله عز وجل. إن بغض الله سبحانه وتعالى وكراهيته للظلم قد تم التأكيد عليها في القرآن بشكل واضح، فالقرآن الكريم يساوى بطريقة لا لبس فيها بين الظلم، والمغالاة أو التطرف كسبب مباشر لانهيار وتدهور المجتمعات الإنسانية. يتجلى الارتباط بين الأمرين عندما يدرك المرء أن الظلم والتطرف هم على الترتيب مترادفين مع المفاهيم المعاصرة للفساد السياسي والاقتصادي.
ومن أجل التأكيد على أهمية وأولوية العدالة، فإن القرآن الكريم يضعها بمنزلة أفضل الأعمال في تأسيس أي مجتمع إنساني، وفى هذا السياق تذكر العدالة في القرآن الكريم بمعان ومفاهيم متعددة. فالعدالة كمفهوم سماوي تشير إلى الفضائل الأخلاقية مثل المساواة وعدم التحيز والاعتدال والاستقامة، والعدالة بمفهومها هذا ينبغي استيعابها كهدف كوني متأصل في كل نفس بشرية. أيضا فإن معنى العدالة كمساواة يسرى بين جميع المخلوقات، وأحيانا يشار إليها بمسمى الناموس الكوني.
وخلاص القول، أن الإسلام كدين يضع طائفة من القيم والمبادئ الأخلاقية القابلة للتطبيق على المستوى العالمي. وحيثما وجدت تلك المبادئ والقيم، وجد الإسلام. إلا أن الإسلام يتحدى وبطريقة حاسمة فكرة انحصاره في مجموعة من البشر أو تقيده بمكان معين. حيث أن الإسلام في جوهره هو منظومة وحركة موجهة ضد الفساد والمادية والطغيان، في أي مكان وزمان وجدت فيه مثل تلك النقائص أو غيرها من نواحي الاختلال البشرى.
——————————————————————————–
الإسلام كنظام وأسلوب حياة وتعاملات
بشكل عام تشير الكلمة العربية نظام إلى شيء ما يتواجد في المجتمع بشكل حقيقي أو افتراضي وبصورة موضوعية، مثل النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. وتترادف هذه الكلمة مع كلمة دين التي تعنى العقيدة. وانطلاقاً من هذا المفهوم، فإن الإسلام كنظام أو أسلوب حياة يصبح ثقافة اعتقادية عالمية تتركز نواتها حول مفهوم الهوية الموحدة.
فالإسلام يضم جميع المسلمين تحت لوائه، بغض النظر عن اختلاف أعراقهم وألوانهم وجنسياتهم وذلك من خلال الالتزام بالمبادئ الإسلامية في الوقت نفسه الذي يتخلل فيه النظام الإسلامي العام في جميع نواحي حياتهم. واعتماداً على تلك القابلية، يحدد الإسلام تصوره للرب والكون والحياة والبشرية جمعاء كنظام متكامل، وكذلك لجميع الأنظمة الثانوية التي تتفرع منها. وطبقا لهذا التصور، ينبغي للإنسان أن ينظم حياته وجهده ليحقق الرسالة السماوية الملقاة على عاتقه بتأسيس نظام اجتماعي أخلاقي تسوده العدالة والمساواة.
يتمثل اهتمام الإسلام بحياة الإنسان الدنيوية في أنه لا يضع فارقاً بين المجالات الدينية والمجالات الدنيوية؛ ففي الإسلام تنضوي جميع أوجه الحياة الإنسانية والاجتماعية تحت نطاق مجالين لا يمكن الفصل بينهما؛ وهما العبادات والمعاملات. يتناول الأول التزام المسلم بأداء مجموعة من العبادات والشعائر والفرائض الدينية، وبالتالي فإن العبادات تتناول العلاقة بين العبد المسلم وربه بشكل أكبر. أما المعاملات فهي تتضمن جميع أنواع التعاملات الإنسانية التي تقتضيها الحياة اليومية.
وعلى هذا النحو، فإن المعاملات تهتم أكثر بعلاقات الأفراد بغيرهم وسلوكياتهم تجاه الآخرين. بيد أن سلوك المرء المسلم في كلا المجالين ينبغي أن يكتسي بالروح الإسلامية؛ بمعني أنه يعبر عن خضوع العبد لله سبحانه وتعالي، وأن يتماشى مع التعاليم والمبادئ الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة والتفاسير المنهجية وما اتفق عليه علماء المسلمين.
1- يتعلق مجال العبادات بالعلاقة الروحانية الباطنة بين العبد وخالقه. وهو يشمل أداء جميع الواجبات الدينية المنصوص عليها في أركان الإسلام الخمسة. تلك العبادات وأداؤها والقوانين المنظمة لها توضع جميعها تحت مسمى واحد وهو الشعائر. ومن ثم، فإن مفهوم الشعائر يتناول المظاهر السلوكية للمرء المسلم، والتعبير عن إيمانه من خلال التعاليم الإسلامية. تجدر بنا الإشارة هنا إلى أن مجرد أداء الفرائض الدينية، لا يعد وحده كفيلا بضمان حسن علاقة العبد بربه؛ فتعاملات المرء مع غيره لها ذات الأهمية، والتي ينبغي أن تتماشي مع القيم والفضائل الإسلامية التي تحث عليها الواجبات والفرائض الدينية المكلف بها المرء المسلم. في ظل هذا المنظور الشامل، تعد جميع أشكال السلوك الإنساني بشكل أو بآخر شكلا من أشكال العبادة، أو على الأقل قابلة لأن تكون كذلك. وبينما قد تتباين أشكال العبادة تلك في تنميتها لمستوى تقوى المرء، فإن الثواب الحقيقي لالتزامه يأتي من الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.
ولذا، فإن العبادات تعين المسلمين على الحفاظ على تواصلهم الروحاني، وتجديد إيمانهم، والسعي إلى تحقيق أهداف العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية كجوهر للاعتقاد الإسلامي.
2- يتناول مجال المعاملات الإسلام كأسلوب أو نظام حياة، وبهذا المعنى فإن الإسلام يشكل مجوعة وافرة من النظم. تركز تلك النظم على سلوكيات المرء المسلم في التطبيق الفعلي للمبادئ والقواعد الإسلامية في جميع جوانب التعاملات والمعاملات الإنسانية. ومن ثم، فإن مجال المعاملات في الإسلام له جانبان رئيسيان: جانب سلوكي، وجانب تشريعي. يتعلق الأول بالأنماط الفعلية التي يتبعها المرء المسلم في تعاملاته السلوكية، أما الثاني فيتعلق بالشرع أو القوانين والضوابط التي تنظم تلك الأنماط السلوكية.
والغرض الأساسي في كلا الجانبين هو ضمان التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية. يتميز الشرع بنطاق عريض وشامل، فهو يغطى كلا من العبادات والمعاملات ( أي الجوانب الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ). ومن هذا المنطلق، فإن الشرع يعطي الشرعية أو الخلفية الأخلاقية للسلطة لتأسيسها وممارستها، وكذلك يعطي الشرعية للتكوينات والمنظمات الاجتماعية. إن الهدف الأساسي للقوانين الإسلامية هو مساعدة البشر في فهم البيئة المحيطة بهم، والقوانين المحركة لها، والتعامل معها بطريقة ملائمة. هذا النهج يجعل من اليسير بالنسبة للإنسان أن يمضى قدما بشكل متزن في الطريق إلى إنشاء مجتمع إنساني قائم على العدالة والمساواة والحرية والتعاون. علاوةً على ذلك، يحدد الشرع مجموعة من المفاهيم الرئيسة التي ترشد الإنسان إلى تحقيق هذا المسعى.
أ- الاستخلاف كأساس لوجود الإنسان على الأرض، وهدفها تحقيق خلافة الإنسان لله سبحانه وتعالى على الأرض. وانطلاقا من هذا المفهوم، تصير الرسالة الملقاة على عاتق الإنسان هي إيجاد نظام اجتماعي عادل. يصف القرآن الكريم هذه الرسالة بالأمانة.
ب- العلم أو المعرفة الإبداعية كوسيلة تعين الإنسان على تحقيق رسالته على الأرض. وفى هذا الصدد، يذكر القرآن الكريم أن آدم عليه السلام قد ُمنح العلم والمعرفة التي حرمت منها الملائكة. فقط بتلك المعرفة يستطيع الإنسان أن يقوم بالواجبات المنوطة به كمستخلف على الأرض، وأن يحقق دوره في إنشاء حضارة أخلاقية عادلة على الأرض.
يدل على ذلك أن أول آية نزلت من القرآن الكريم كانت دعوة للبشر لـ يقرئوا ، كوسيلة لاكتساب المعرفة والثقافة. فضلا عن ذلك، فإن القرآن دائما ما يؤكد على أهمية المعرفة كمعيار للمسئولية وقابلية الاختيار، وأهمية العلم والمعرفة كسبل لتحسين حياة الإنسان، وزيادة قدرته على التحكم في محيطه، وترسيخ وتقوية إيمانه بالله الخالق سبحانه وتعالى.
جـ – التسخير: يقصد بالتسخير أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الكون كله في خدمة الإنسان. لذا، عندما يعرف الإنسان بوجود الله، وتتوافر لديه جميع أنواع المعرفة الأخرى بالكون والقوانين التي تحكمه، يصبح الإنسان قادراً على الإيفاء بمسئوليته كمستخلف على الأرض. فقد أمد الله عز وجل الإنسان بجميع الوسائل التي تجعل رسالته قابلة للتحقيق. حتى يستفيد الإنسان من هذا التسخير بأكبر قدر ممكن، عليه أن يكتشف القوانين التي وضعها الله للكون، والطريقة التي تسير بها الأمور.
هذه القوانين التي وضعها الله في الكون تعطي الحضارة البشرية الطاقة الروحانية اللازمة لتوازن تطورها وتقدمها المادي، وبهذا فهي تتيح للإنسان الحفاظ على العلاقة بينه وبين خالقه. لذا، فعلى الإنسان أن يستكشف أسرار الكون والحياة والعالم المحيط به. وبالتالي، كلما ازدادت معرفة الإنسان بالكون الذي يحيا فيه، اشتد إيمانه ورسخ يقينه بالله تعالى وازدادت قدرته على تحقيق الاستفادة من الكون والبيئة المحيطة.
د ـ الوسطية: يقصد بها التوازن أو الاعتدال، وهي المفهوم الإرشادي الرابع الذي ينبغي على الإنسان الالتزام به، حتى يتسنى له تحقيق هدفه في عمارة الأرض. يشير الاعتدال إلى ضرورة التزام الإنسان بتحقيق التوازن بين احتياجاته الدنيوية والروحانية، في سعيه لتحقيق مكانته كخليفة لله في الأرض.
تتجلى أهمية الوسطية في أنها تقود الإنسان إلى تكوين رؤية منفتحة ومعتدلة وشاملة وغير متحيزة، قادرة على تجاوز الرؤية أحادية البعد لترتقي إلى منهج أكثر تكاملاً وشمولاً ينأى بعيداً عن التحيز والأهواء الشخصية. بالإضافة إلى ذلك، فالوسطية لها مقتضياتها الخاصة بالأمة الإسلامية؛ حيث أنها تعطي للأمة تميزها كأمة ذات نظام اعتقادي معتدل، ومنهاج تفكيري متزن، تتمتع بالتنظيم والتنسيق وقوة العلاقات والالتزام.
ز ـ حرية الاختيار هي المفهوم الخامس الذي ينظم مساعي وجهود الإنسان لتحقيق مهمة استخلافه على الأرض. وفي هذا الصدد، يتعامل الإسلام مع الحرية باعتبارها حقاً مشروعاً لجميع البشر ولا يجوز المساس به. هذا الاتجاه تكرر التعبير عنه في القرآن الكريم، حيث يؤكد القرآن صراحة على حرية الاعتقاد، وحق المرء في اختيار دينه، وحقه في التعبير؛ حيث ينص القرآن الكريم على أنه:لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ البقرة: ٢٥٦ ، بل إن القرآن الكريم يوسع نطاق تلك الحرية لأبعد مدى، فيبين أنه إذا ما تم نشر رسالة الله سبحانه وتعالى وأصبحت معروفة للجميع، فالباب مفتوح أمام أي شخص ليقرر ما يريد بصدد الدين الذي يعتنقه، فيقول:وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا الكهف: ٢٩.
وكذلك فقد أكدت الأحاديث النبوية هذا المبدأ الإسلامي ذاته، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الدين النصيحة ، وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم : إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، ويوجه المسلمين قائلاً :لا تكونوا إمعة. بل إن القرآن يؤكد أيضا على أن العبد المسلم في صراعه الداخلي مع الشيطان، يلقى العون من الله سبحانه وتعالى إذا سعى واجتهد في ذلك.
وهكذا، فإن جانبي العبادات والمعاملات في الإسلام يعبران، من بين أشياء أخرى، عن واقعية الإسلام ومرونته وتوجهه السمح. فمن جانب، لا ينكر الإسلام أبداً ضعف الطبيعة البشرية، وحاجة الإنسان إلى الموازنة بين احتياجاته المادية والروحية في الحياة. ومن جانب آخر، فإن تطبيق مبادئ الإسلام وفرائضه متروك لاختيار الإنسان وسعيه الخاص. أيضا، يؤكد الإسلام على أهمية السعي إلى الارتقاء بمستوى إيمان كل مسلم؛ فيؤكد على أن انتشار النظام الإسلامي في أي مجتمع إنساني يقتضي بالضرورة سعي أفراد ذلك المجتمع إلى زيادة إيمانهم من خلال الفهم الصحيح لمبادئ الإسلام. علاوةً على ذلك، يتمتع النظام الإسلامي بالمرونة التي تشجع أتباعه على التطور والتجديد؛ فهو يتيح القيام بعمليات إصلاح في النظام، مراعاة لظروف معينة يقتضيها المكان أو الزمان.
بمثل هذا المفهوم، أصبح من الممكن استيعاب كيف أنشأ الإسلام في بادئ أمره نظاماً قائما على مفاهيم غاية في التحضر مثل العدالة والمساواة، وكيف حقق تلك المفاهيم على أرض الواقع بشكل لم يحدث من قبل.
وختاماً، ينبغي أن نذكر أن الفارق بين جانب العقيدة (الجانب الإيماني)، وبين جانب المعاملات (الجانب المادي) هو فارق منطقي ومعقول؛ فجانب العقيدة يتعامل مع أمور غير ملموسة أو مرئية وبالتالي يتطلب إيماناً ويقيناً ثابتا لا يتزعزع بالله سبحانه وتعالى. أما جانب المعاملات فيتعلق بأمور بشرية وبالتالي فهو مرئي ووقتي وقابل للتغيير.
ولذا، يتبنى الإسلام خطوطاً إرشادية ومبادئ عامة في سعيه لتنظيم جانب المعاملات؛ حيث إن المعاملات تعتمد على قوانين السببية ومن ثم فهي قابلة للتغيير تبعا للزمان والمكان والأفراد. إلا أن هذا لا ينطبق على جانب العقيدة، لأنها تتعلق بالتعامل مع الله عز وجل. وانطلاقاً من هذا المفهوم، ينبغي أن نؤكد على أن الإسلام دين شامل؛ فعندما يعتنق المرء الإسلام، ويفهمه بشكل كامل وصحيح، فإنه يتغير إلى شخص آخر تماما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *