الحوار واثره في تحقيق السلم الاجتماعي
04/14/2019
100
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

الحوار واثره في تحقيق السلم الاجتماعي
بقلم الدكتور عبدالله بن فهد اللحيدان
المشرف على برنامج التبادل المعرفي
وزارة الشؤون الاسلامية
المملكة العربية السعودية

مقدمة
الحوار منهج إسلامي أصيل، حافظ عليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في جميع مراحل حياته مع القريب والبعيد والموافق والمخالف والصديق والعدو، وجعله وسيلة للتعارف فالتآلف ثم التعاون ، وهذه المراحل هي جوهر الحوار وثمرته على امتداد العصور، فالآية القرآنية الكريمة (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)) أصل في الدعوة إلى تعارف افراد المجتمع و من خلال الالتقاء والحوار، ليتحقق المبدأ الإنساني الجميل: (اسمع منّي قبل أن تسمع عنّي)، وهذا ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يذهب بنفسه إلى أسواق العرب ومنتدياتهم ليعرّف بنفسه ورسالته، ويسأل عن أحوال الأمم والشعوب وصفات زعمائها وقادتها في عهده.
والتآلف ثمرة التعارف؛ لأن النفوس البشرية السويّة تتآلف حين تتعارف، ويؤدي ذلك إلى شيوع الإحسان وترسيخ التعايش والتسامح بينهم وحين يحصل التآلف بين أتباع يصبح التعاون ممكناً بل أمراً طبيعياً محبذاً يمارسونه بينهم لتحقيق مصالحهم وصون مكتسباتهم، ولذا قال تعالى في القرآن الكريم: ((وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان))؛ ذلك أن الإنسان مخلوق اجتماعي بفطرته محتاج للتعاون مع الآخرين في جميع مجالات حياته، وقد جاء في حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: (خير الناس أنفعهم للناس) فجعل نفع الناس مطلقاً – وليس المسلمين وحدهم – سمة ومعياراً للمسلم الحق.
وينتج عن تعاون ابناء المجتمع مواجهة التحديات والتهديدات ، وإحلال الأمن مكان الخوف، والاستقرار مكان الفوضى، والتنميّة مكان التخلف والثروة بدل الفقر، والعدل مكان الظلم، وقد شارك رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه في تحالف خيّر مع مجموعة من غير المسلمين بمكة على نصرة المظلومين وإعانتهم، وقال: (لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما يسرني أن لي به حمْر النعم، ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت). ومن المعروف أن العالم بأسره وخاصة شبه جزيرة العرب كانت تشهد حروبا كثيرة في زمن نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل بعثته، فكانت القبائل العربية تتقاتل فيما بينها أو مع القبائل الأخرى بسبب أو بدون سبب، وقد جاء الاسلام الحنيف ليخرج الناس من هذه الحياة الصعبة وينقلهم الى حيث الأمن والامان والسكينة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على إبعاد الناس تماما عن الحروب وعن كل ما يؤدي إليها، وكان صلى الله عليه وسلم ايضاً يبحث دائما عن الطرق السلمية والهادئة للتعامل مع المخالفين له.
ان إقرار السلام لا يعني انتفاء الحرب تماماً، بل إن الحرب وضعت في الشريعة لحفظ السلام وحمايته من المعتدين عليه، وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين المؤمنين بأن يقاتلوا في سبيله، والله هو السلام، وأمرهم بأن يقاتلوا المعتدين وينصروا المعتدى عليهم الآمنين المسالمين.
إن السلام بمفهومه السلمي هو أمنية ورغبة أكيدة يتمناها كل إنسان يعيش على هذه الارض، فالسلام يشمل أمور المسلمين في جميع مناحي الحياة ويشمل الأفراد والمجتمعات والشعوب والقبائل، فإن وجد السلام انتفت الحروب والضغائن بين الناس، وعمت الراحة والطمأنينة والحريّة والمحبة والمودة بين الشعوب.
وفي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عدة قواعد وأحكام ينبني عليها مفهوم السلام، مما يشكل للمسلمين قانوناً دولياً يسيرون عليه، وهذه القوانين والشروط الواجب توفرها حتى يتحقق السلام تظهر في المساواة بين الشعوب بعضها البعض، فالإسلام يُقرِّر أنَّ الناسَ، بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم وألوانهم وألسنتهم ينتمون إلى أصلٍ واحدٍ، فهم إخوة في الإنسانية، ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكم لآدمَ، وآدم من ترابٍ، لا فضلَ لعربيٍّ على أَعْجَمِيٍّ إلا بالتقوى».
كما أن الوفاء بالعهود، ومنع العدوان، وإيثار السلم على الحرب الا للضرورة وإقامة العدل والانصاف، ودفع الظلم، من القواعد الأساسية لتحقيق السلام بين الشعوب والمجتمعات، فلا يعتدي أحدٌ على حق أحدٍ، ولا يظلم أحدٌ أحدًا، فالإسلام يسعى دائما الى استقرار الأمة الاسلامية، كما يستعى الى استقرار علاقات المسلمين بالأمم الاخرى.
إن أثر الإسلام في تحقيق السلام الاجتماعي والعالمي يتجلى في تعزيز التعايش السلمي وإشاعة التراحم بين الناس ونبذ العنف والتطرف بكل صوره ومظاهره، وكذلك في نشر ثقافة الحوار الهادف بين أتباع الأديان والثقافات لمواجهة المشكلات وتحقيق السلام بين مكونات المجتمعات الإنسانية وتعزيز جهود المؤسسات الدينية والثقافية في ذلك.
إن للسلام شأناً عظيماً في الاسلام، فما كان أمراً شخصياً ولا هدفاً قومياً او وطنياً بل كان عالميا وشموليا، فالسلام هو الأصل الذي يجب أن يسود العلاقات بين الناس جميعاً، فالمولى عز وجل عندما لم يخلق البشر ليتعادوا أو يتناحروا ويستعبد بعضهم بعضاً، وإنما خلقهم ليتعارفوا ويتآلفوا ويعين بعضهم بعضا قال تعالى( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير) ايه13 سورة الحجرات، فالإسلام يدعو الى استقرار المسلمين واستقرار غيرهم ممن يعيشون على هذه الارض، ويكشف لنا التاريخ أن جميع الثقافات كانت تواقة من أجل تحقيق السلام.
فالسلام ضرورة حضارية طرحها الإسلام منذ قرون عديدة من الزمن باعتباره ضرورة لكل مناحي الحياة البشرية ابتداء من الفرد وانتهاءً بالعالم أجمع .
وقد حان الوقت لنقود أجيالنا إلى لغة الحوار تحقيقا لشعار لا للإرهاب لا للقتل لا للدمار ولا للطائفية والعنف. وفي ورقتي سأستعرض بالتفصيل جهود الحوار في المملكة العربية السعودية واثرها في محاربة التطرف والطائفية وتحقيق السلم الاجتماعي والدولي.
جهود المملكة في تعزيز ثقافة الحوار
سعت حكومة المملكة العربية السعودية خلال العقدين الماضيين في العمل الجاد والبناء المثمر في محارية ظاهرة التطرف والاقصاء والدعوة الى الحوار ففي عام 2008 افتتح الملك عبدالله رحمه الله في مدريد بأسبانيا المؤتمر العالمي للحوار بين الأديان ، وقال في كلمة الافتتاح : إن معاناة البشرية لا يمكن أن يكون سببها الدين ، وقال : إن المآسي التي مرت في تاريخ البشر لم تكن بسبب الأديان ، ولكن بسبب التطرف الذي ابتلي به بعض اتباع كل دين سواء سماوي وكل عقيدة سياسية . ودعا رحمه الله تعالى إلى حوار بناء مثمر بين أتباع الديانات . كما قامت وزارة الشؤون الاسلامية وبتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الامين الامير محمد بن سلمان وبقيادة معالي الدكتور عبداللطيف ال الشيخ وزير الشؤون الاسلامية والدعوة والارشاد بالعمل على ثلاثة اصعدة الصعيد الاول مكافحة خطاب التطرف والكراهية حيث شكلت في الوزارة لجان شرعية على مستوى المناطق ولجنة مركزية في المقر الرئيسي لمراقبة خطباء الجوامع التي تزيد على خمسة عشر الف جامع واحالة من ينهج خطاب التحريض والتطرف لمناقشته في اللجان الشرعية وايقاع العقوبة المناسبة لمخالفته المنهج الشرعي الاسلامي الصحيح الذي يدعو للرفق والرحمة الصعيد الثاني تدريب واعادة تدريب الائمة والدعاة على الاساليب الشرعية الصحيحة للدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة اما الصعيد الثالث فهو انشاء برنامج التبادل المعرفي الذي يهدف الى التواصل مع الجامعات والمراكز الاكاديمية والعلمية واتباع الاديان الاخرى لايضاح دعوة الاسلام للسلام والتعايش. وكانت هيئة كبار العلماء قد أصدرت بيانات متعددة حول التطرف بينت فيه المنهج الاسلامي بالدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة .
وفي إطار جهود المملكة في محاربة فكر التطرف من خلال الحوار، تم إنشاء مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية عام 2006م من أجل تصحيح وتوعية أفكار المغرر بهم بالأفكار المنحرفة ، ويقوم بدمج المستفيدين بالمجتمع تدريجيا تمهيدا لجعلهم مواطنين صالحين .
ويعد المركز الأول من نوعه الذي يعمل على تصحيح أفكار وتأهيل أعضاء الجماعات المتشددة خاصة المحكومين في قضايا عنف بالمملكة، ويؤدي دوراً مهمّاً في تصحيح المفاهيم، والمراجعات الفكرية والدينية للعناصر المتشددة.
كما تم انشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في العام 2004م لتعزيز الوحدة الوطنية وحماية النسيج المجتمعي من خلال ترسيخ قيم التنوع والتعايش والتلاحم الوطني وهي الرسالة التي يعمل عليها مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني بدأب وفاعلية ، في وقت تواجه فيه المملكة الكثير من التحديات الإقليمية والدولية، التي تضع المجتمع السعودي أمام مسؤوليته في الحفاظ على قيم الوحدة والثوابت الوطنية . ومن هنا برزت أهمية الحوار الدائم بين شرائح المجتمع، للعمل الجاد والإسهام في قراءة ما يجيش به الواقع من إشكاليات وقضايا.
والخريطة الحوارية التي رسمها مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لا تصنع تضاريس أو أسوارا مغلقة بين اتجاه وآخر، فالمركز يقف على مسافة واحدة بين مختلف الأطياف الفكرية، لأنه يجعل المواطنة أساسا ترتكز عليه حواراته، ويدعو دائما ، بشكل مباشر أو بشكل ضمني إلى أن يصل الحوار إلى تحقيق مبدأ احترام الرأي والراي الآخر، والإعلاء من قيم التسامح، وصولا إلى تحقيق التلاحم الوطني وتمتين أواصر التفاعل الاجتماعي بين مختلف الشرائح الوطنية. إن هذه الخريطة الحوارية تشارك في صنعها معظم الأفكار ومعظم التيارات داخل الوطن التي تمحو الأهواء الذاتية، وتعلي من شأن الصالح الوطني العام. ولقد كشفت اللقاءات الوطنية للحوار الفكري التي عقدها المركز طوال السنوات الماضية، كشفت عن الحاجة الملحة للتواصل والتفاعل بين شرائح المجتمع. ففي أعوام ماضية كانت هذه الشرائح تعمل وفق دوائرها المغلقة عليها، كل حسب مجال اهتماماته وتخصصه. مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني استطاع أن يجمع كل هذه المجالات في حوارات حقيقية. استطاع أن يقارب بين المذاهب والتيارات، واستطاع أن يجمع مختلف الفئات في حوار منتظم، فرأينا الأكاديمي إلى جوار المعلم، جوار المحامي، ورجل الأعمال، والطالب الجامعي، جوار الموظف، والطبيب والمهندس، والداعية، والواعظ، والشيخ، والمفكر، من الجنسين.
إن هذه الحوارات أفضت إلى تفاعل كبير، وإلى الوصول إلى قدر كبير من الأفكار والتصورات في مختلف اللقاءات التي عقدها المركز والتي يحتفظ المركز برصدها ووثائقها. حاضنة فكرية ومركز لتوليد الأفكار: لقد نظم المركز وفق استراتجيته الحوارية عشرات اللقاءات الحوارية الفكرية والدورات التدريبية، وقد شارك في نشاطاته أكثر من 500000 خمسمئة الف مواطن ومواطنة من مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية والعمرية، يمثلون الأطياف الفكرية للمجتمع.

كما بذلت وزارة التعليم جهودا لتوعية الطلاب والطالبات بخطورة التطرف وحرمتها في الإسلام والآثام التي تقع على مرتكبيها وحث المعلمين والمعلمات على توعية الطلاب والطالبات بذلك وتوجيههم إلى الطريق الصحيح وغرس حب الوطن في نفوسهم وان ينتقل التعليم من اسلوب التلقين الى اسلوب الحوار
وقد أصدرت المملكة جملة من الأنظمة والتعليمات واللوائح لاستخدام شبكة الإنترنت والاشتراك فيها بهدف مواجهة التطرف والاقصاء والترحيب بالرأي والحوار .

حفظ السلم الاجتماعي من خلال الحوار
التطرف من اعظم الاسباب التي تخل بالسلم الاجتماعي. حيث تقوم فئة صغيرة متطرفة بالنظر الى المجتمع وانه خرج عن القيم المثالية ويجب محاربته بكل السبل بما فيها استخدام العنف. والتطرف ظاهرة عالمية ليست قاصرة على العالم الاسلامي فقد رأينا مؤخرا ما حدث في نيوزلندا من ارهاب ضد المسلمين قام به متطرفين بيض. اما أسباب التطرف في العالم الاسلامي فتعود غالبا إلى عدة أسباب من أهمها:
الإعلام – الانترنت – الصحبة السيئة – الجهل بتسامح الاسلام ورحمته بالمخالفين– بعض الأمراض النفسية- المخدرات.
علما أن بعض هذه الأسباب ليس رئيسا في المشكلة ولكنه قد يكون مساعدا.
ويعزى انتشار التطرف الى توظيف الجماعات المتطرفة لعاملين أساسيين :
1 استغلال العاطفة الدينية والعصبيات عند الشباب والمراهقين وذلك بإظهار الصور المحزنة المستفزة في العالم الاسلامي مثل القتل والحروب والتشريد.
2 تضخيم أخطاء الدول والحكام وتوظيفها في خلق الكراهية لمواجهة الحكومات.
ويمكن معالجة التطرف من خلال الحوار على النحو التالي :
1-تصحيح المفاهيم الخاطئة بطرح الأدلة من القران والسنة والواقع والحقائق.
2-إعطاؤهم الأصول والأساسيات العلمية التي تحميهم من الوقوع في الانحراف مستقبلا.
3-خلق الثقة بين المستفيدين ومحاوريهم وذلك بإعطائهم الحرية الكاملة في الحوار والسؤال بكل شفافية ووضوح.
4-محاولة إظهار حجم الخطأ الذي وقعوا فيه وذلك ببيان مخالفتهم للأدلة الصحيحة وإبراز ما سيترتب عليه من النتائج والاثار السيئة والخطيرة.
5-محاولة إظهار التناقض في أقوالهم وأفعالهم وذلك بسؤالهم عن بعض القضايا المشابهة لقضاياهم التي تورطوا فيها فيحكموا فيها بأحكام أخرى مخالفة ليتبين بذلك خطأوهم وبالتالي تراجعهم.
6-طرح بعض الأسئلة المتعلقة ببعض الأحكام القانونية أو الشرعية ليتضح لهم افاق الشريعة ورحمتها وعدلها وتسامحها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المراجع
مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني

https://www.kacnd.org/News/NewsDetails/1292

دمحمد احمد الفيفي جهود المملكة في محاربة التطرف والكراهية

http://kep.org.sa/?p=16973&lang=ar

سلطان حميد الجسمي الاسلام دين السلام صحيفة البيان 9 مايو 2015
د عادل الشدي التبادل الثقافي في الاسلام مجلة التبادل المعرفي العدد السادس ربيع الثاني 1438هـ

http://kep.org.sa/wp-content/uploads/magazine/ar/arabic6.pdf

د عبدالعزيز التويجري الحوار من اجل السلام جريدة الحياة عدد 29 سبتمبر 2018
د خالد البديوي الحوار وبناء السلم الاجتماعي منشورات مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني الرياض 2011م
محمد المومني السلم الاجتماعي في الاسلام نور للنشر 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *