المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية
02/13/2019
169
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية
أبو ظبي 3-4 فبراير 2019

منطلقات الأخوة الإنسانية

فضيلة الدكتور مصطفى إبراهيم تيسيرتش
عضو برنامج التبادل المعرفي
المفتي العام في البوسنة سابقًا.

الإنسان مخلوق.. خلقه الله.. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (السجدة – 7)، إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ () فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:٧١-٧٢] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ [الحجر:٢٦] ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:٥٤].
إذن، كان الإنسان لا شيئًا.. وكان ترابًا، لا حيًّا ولا ميِّتًّا حتى نفخ الله من روحه فسواه إنسانًا حيًّا، ناطقًا، عاقلًا قائمًا، قاعدًا وماشيًا، وساعيًا وساكنًا، ذاكرًا ومذكورًا.. هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا [الإنسان:١]
ثم سواه أبًا وأمًّا، جدًّا وجدّةً، أخًا وأختًا وبشرًا.. فمنهم من أصبح راغبًا ونافرًا، محبًّا وكارهًا، صديقًا وعدوًّا، أمينًا وخائنًا، فارحًا وغاضبًا، صابرًا وعجولًا حتى بعث الله هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الجمعة:٢]
. من هذا المنطلق القرآني استنبط الإمام الغزالي “بأن حقيقة الإنسان جوهر غير مادي يتميز به على جميع المخلوقات، ويطلق على هذا الجوهر أسماء مختلفة، بينهما فوارق دقيقة، فهو الروح، وهو النفس، وهو العقل، وهو القلب. لقد صرنا بشرًا، بهذا الجوهر المدرك العالم العارف، وليس بجارحة من الجوارح. وهذا الجوهر هو المخاطب والمطالب والمعاتب والمعاقب.
وخلق الله تعالى الناس كافّةً من أصل واحد، يقول المولى عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ [المؤمنون:١٢]
، وتكفل سبحانه وتعالى برزقهم جميعًا: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود:٦]
. ومن ثم فالبشر جميعًا أخوة في الإنسانية. والله تعالى دعا الأنبياء والرسل – عليهم السلام – إلى الدعوة بل التمسك بهذا المبدأ الراسخ – الأخوة في الإنسانية – حتى يرتقي البشر وتعمر الأرض، ولأن الخالق سبحانه وتعالى هو المتحكم في خلق البشر – ذكر أو أنثى – والمتكفل برزقهم، لذا لا يوجد أي فرق بين إنسان وآخر إلا بالعمل الأفضل، وهذا المبدأ الإلهي أرسته كل الشرائع التي سبقت الإسلام الذي جاء خاتمًا للأديان السماوية، ولحفظ ما سبق من أديان، ولإصلاح ما أفسد البشر في نصوصها وشريعتها، فهو بمثابة الحارس لها، والقائم عليها.
والإسلام يحث على الأخوة الإنسانية، ويحرم التفرقة والتمييز بين الناس اعتمادًا على أصول واهية، ويجعل التقوى والعمل الصالح والعمل الأجود والأفضل هو معيار ومحك تعيين الأفضلية بين الناس. يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:١]
، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إ، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم” (صحيح البخاري)، وجاء في الحديث “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (صحيح البخاري), وقال النبي صلى الله عليه وسيلم “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلَّغتُ؟ قالوا: بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، ثم قال: أيّ شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: ثم قال: أيّ بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فإن الله قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم، – قال: ولا أدري قال: أو أعراضكم أم لا – كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، أبلَّغتُ؟ قالوا: بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ”. (مسند الإمام أحمد).
وأود أن أُأَكد هنا بأن حقيقة الأخوة الإنسانية قائمة على أساس العلاقة الإنسانية الصادقة. فالإنسان كما عرفه الفلاسفة: “الحيوان الناطق”، ولكنه كما عرفناه من اكتشاف مبدأ عدم اليقين للعالِم الألماني وارنر هايزنبرغ “إنسان ذو التعارف والتفاعل والتعاون مع العالم المحيط به”. ومن المعروف أن الفيزياء في القرن العشرين شهدت هذا الاكتشاف، أي اكتشاف “مبدأ عدم اليقين” لهذا العالم الألماني لفيزياء. ويؤكد هذا المبدأ أنه من الصعب معرفة الجسم وقياس كل شيء فيه بدقة متناهية، سواءً كان ذلك الجسم إلكترونًا أو أرنبًا، لأن رصده يغير من سلوكه، لذلك، وعلى خلاف البشر، لا يمكن معرفة الأشياء إلا من خلا عزلها.
أما نحن البشر، فمختلفون تمامًا، إذ لا يمكن أن نُعرَفَ، وأن نعرِف أنفسنا إلا من خلال التفاعل مع العالم المحيط بنا. وعلى النقيض من الإلكترونيات والأرانب، فإننا نتعرف على أنفسنا من خلال البحث، والتجربة، وملاءمة علاقتنا مع العالم الذي نعيش فيه.
إن العزلة مؤلمة وتدمر الإدراك عن الذات بالكامل. وبناء العلاقات هو وحده الذي يوفر الهوية التي تأتي نتيجة اللقاء بالناس، أي نتيجة بناء الأخوة الإنسانية. إضافة إلى ذلك، فإن الولاء للمجتمع الذي نعيش فيه يحدد هويتنا الفردية والجماعية. إن الجماعة أو المجتمع ليسا خيارًا ضرورويًّا فقط، بل إن العلاقات هي التي تحددنا، وهي التي نتعرف من خلالها على أنفسنا والتي يتعرف العالم من خلالها علينا. لأن الناس يتكاملون فيما بينهم أو يعيشون هويتهم من خلال علاقاتهم بالعالم من حولهم، أي من خلال الأخوة الإنسانية. إن الذين يمضون وقتهم في العزلة أو الانفصال، معتقدين أنهم بذلك سيعرفون على أنفسهم، مخطؤون. بل على العكس تمامًا، فالإنسان يتعرف على نفسه من خلال التواصل والتفاعل مع كل ما يحيط به، من كائنات حيّة أو جمادات وخاصّة مع الإنسان الذي هو من نوعه ومصيره في حياته في الأرض.
إن المبدأ الذي يرسخ العلاقات الإنسانية في المجتمع، والذي يتم وفقًا له الاعتراف بالبشرية أو الارتقاء بالحضارة الإنسانية الأخوية، هو ما نسميه نحن “العدالة”، لأنه كما يقول جون راولز: “إن العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية، تمامًا مثل الحقيقة الي هي الفضيلة الأولى لمنظومة الفكر. ومهما كانت النظرية أنيقة وموجزة، يجب أن تخضع للرفض أو للتعديل، إذ لم تكن قائمة على الحق. وكذلك القوانين والمؤسسات، فمهما كانت فعالة ومبنية بشكل ناجح، لا بد من إصلاحها أو إلغائها إذا كانت غير عادلة”.
إذن، لا إنسانية في الإنسان بدون إحساسه بالأخوة في نفسه، ولا أخوة في نفسه بدون إدراكه بالألفة في عقله، ولا ألفة في عقله بدون فهمه بأن هذا العالم يقوم على التعارف بين الشعوب والقبائل ولا يقوم على التنافر والتكاره: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:١٣]
ويقوم، أيضًا، على التعاون على البر والتقوى ولا يقوم على الإثم والعدوان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:٢]
. لأنه في آخر المطاف لن يرث هذا العالم لا متكبر ولا مستضعف، ولكن سوف يرثه المتعاون على الخير والسلام والأمن في العالم كله، إن شاء الله. وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [يونس:٢٥]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *