المؤتمر العالمي لدور وهيئات الإفتاء في العالم
10/17/2018
158
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

المؤتمر العالمي لدور وهيئات الإفتاء في العالم

أكتوبر ١٦-١٨، ٢٠١٨م

الورقة:
الإفتاء وحق الأفراد في الإعتقاد والتعبير

أ. د./ مصطفي إبراهيم تيسيرتش
المفتي العام في البوسنة سابقا

الملخص
{وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}
[الإسراء:82]
الهدف من هذه ورقة عمل أعدها للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء العالمي لتقديمها في المؤتمر العالمي أكتوبر ١٦-١٨، ٢٠١٨م في القاهرة بعنوان: التجديد في الفتوي في النظرية والتطبيق، هو إبراز البعد الجديد لظيفة الفتوي في وقت الأزمة ألتي تعيشها أمتنا اليوم من حيث الإضطراب الفكري والتمزق العقدي والانحراف الأخلاقي بسبب كثرة الآراء المتناقصة والمتنافرة حول الدين الصحيح والتعايش السلمي والطريق المستقيم الذي يقود الناس إلي علاج النفس اللوامة من اللوم غير مُبَرَّر واللعن غير مُسَوَّغ علي النفس والمطمئنة والإنسان البريئ الذي ” [فَ]قَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ“ {البقرة:256}.
ليست هذه الأزمة النفسية المتعلقة بالدين كمنهاج حياة الفرد والمجتمع وبالعقيدة كتبعية عمياء للجماعة المنحرفة في الأمة المسلمة وليدة هذا العصر، بل هذه الأزمة كانت ومازالت موجودةً في كل عصر من عصور تاريخ الأمم. ولكن، هذه المرة وفي عصرنا هذا الأمة المسلمة تعيش الأزمة النفسية أكثر وأعمق من أي وقت مضي من حيث الإختلافات والتمزقات ألتي تسبب الحزن والألم وخيبة الأمل في أمتنا.. لذا، فالسؤال المطروح هنا هو: ما هو دور الفتوي في دفع هذه الاحزان وكيف يكون دور عزاء الايمان في تيسير هذه الأزمة النفسية والروحية والأخلاقية ألتي تواجهها أمتنا المسلمة اليوم؟ فلا بد من الجواب علي هذا السؤال.
لأنه بجانب فهمنا بأن الإفتاء هو الاستنباط المعاني والأحكام الشرعيَّة من النصوص ومصادر الأدلّة الأخرى لكي يحصل المفتي علي الفتوي التي هي الثمار ذلك الاستنباط، وبجانب علمنا بأن وظيفة الإفتاء هو التماسك بالمجتمع والاستجابة لحاجات الناس ومطالبها، و بجانب إدراكنا بأن الفتوى هي جواب المفتي عن أي سؤال من السائل الذي كان متعلّقاً بالحكم الشرعي للسؤال، وتكون الإجابة “إجتهاد” من المفتي فيما يتعلّق بالسؤال، بالإستناد إلى الأحكام الواردة في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، فعلينا أن ندرك أن هناك بعداً مهماً جديداً لوظيفة الفتوي وهي ”عزاء الايمان“ و“دفع الاحزان” من أجل علاج آلام النفس المجروحة للأمة المسلمة. فقد تناول الفيلسوف العربي الأول يعقوب بن إسحاق الكندي ظاهرة الأحزان في رسالته ”الحيلة لدفع الأحزان“ حيث أكد“بأنَّ إصلاح النفس وإشفاؤها من أسقامها أوجب شديداً علينا من إصلاح أجسامنا: فإنا بأنفسنا نحن ما نحن، لا بأجسامنا..“ .. ”لأن إصلاح أنفسنا إنما هو بقوة العزم علي المُصْلح لنا، لا بدواءٍ مشروب، ولا بألم حديدٍ ولا نارٍ، ولا يإنفاق مالٍ، بل بالتزام النفس العادةَ المحمودة في الأمر الأصغر الذي لزومه سهل علينا، ثم نرتفع من ذالك <إلي> لزوم ما هو أكبر منه..“
و من قبل الفيلسوف العربي الكندي، الفيلسوف الرومي بوئثيوس كتب كتابًا صغيرًا بعنوان ”عزاء الفلسفة“، ولكن فائدته كانت كبيرةً في إحياء النهضة الفكرية الاوروبية، بل هذا الكتاب يعتبر من الكتب الأساسية في إحياء الأدب والأخلاق من اجل إصلاح الفرد والمجتمع..
هذا، وقد رئيت أن هذا الجانب للفتوي لم يكن ظاهرًا ومؤثرًا كما يجب وكما يمكن أن يكون سواء من ناحية ”دفع الأحزان“ في حالة آلام النفس عند الناس قبل أن تكون الفتوي في خدمة القضاء فحسب، وكذالك الفتوي يمكن بل يجب أن تكون ”عزاء الايمان“ من حيث تقوية الثقة النفسية والأخلاق النبيلة عند الناس قبل بيان الحكم عليهم.. فلا شك فيه بأن هذا الجانب الطبي للنفس في الفتايا سوف يأدي إلي رعاية حقوق الأفراد في الإعتقاد والتعبير ..
هذا ما أنوي أن أقدمه في هذه الورقة بعون الله وتوفيقه..

***
من أدب المفتي.. وصفة الفتوي .. إلي غاية الفتوي.. و علاج نفس المستفتي
في الكتب القديمة المعتمدة في مجال الفتيا عادة ما نجد التركيز علي أدب المفتي وصفة الفتوي، ولكن قلّ ما نجد أو يكاد ما نجد الإشارة إلي الغايةِ أو الغَرَضِ أو الهدف الذي يُرمَى إِليه الفتوي من أجل علاج نفس المستفتي.. فاول من كتب في مجال المفتي والفتوي هو أبو القاسم عبد الواحد بن الحُسَين بن محمد القاضي الصَّيْمري (ت ٣٨٦ هـ) في كتابه ”أدب المفتي والمستفتي“ ، وبعده جاء الحافظ المؤرخ أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه ”الفقيه والمتفقه“ ، والإمام الحافط يوسف بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه ”جامع بيان العلم وفضله“ وغير ذالك ممّا كتبه أهل الأصول في المصنَّفات الأصولية كالجويني، والغزالي، و أبي المظفَّر السمعاني، و أبي بكر القفَّال الصغير، و أبي إسحاق الإسفراييني، وأبي عبد الله الحَليمي، وابي إسحاق الشِّيرازي، وإلكيَّا الهرَّاسي وغيرهم كثير()..
ومن أهم الكتب المعتمدة في مسئلة أدب المفتي والمستفتي هو كتاب ”أدب المفتي والمستفتي“ لابن الصلاح الشّهّرزوري (ت ٦٤٣هـ) الذي أفصح في مقدمته سبب تأليف كتابه حيث قال: ”في تأليف كتاب في الفتوي لائق بالوقت، أفصح فيه، إن شاء الله العظيم، عن شروط المفتي وأوصافه وأحكامه، وعن صفة المستفتي وأحكامه، وعن كيفية الفتوي والاستفتاء، وآدابها جامعاً فيه شمل نفائس التقطتها من خبايا الرَّوايا، وخفايا الزوايا، ومهمات تَقّرُّ بها أعين أعيانِ الفقهاء، ويرفع من قدرها من كَثُرَت مطالعته من الفهماء، ويبادر إلي تحصيلها كُلَّ من ارتفع عن حضيض الضعفاء مُقَدِّماً: بيان شرف مرتبة الفتوي وخطرها، والتنبيه علي آفاتها وعظيم غدرها() ..
وقد اقتسب هذا المنهج لابن الصلاح الشّهّرزوري في تأليف عن الفتيا كثير من العلماء من بعده كالامام أحمد حمدان الحرّاني الحنبلي (ت ٦٩٥ هـ) الذي اقتبس معظم كتاب “أدب المفتي“ لابن الصلاح في كتابه ”صفة الفتوي والمفتي والمستفتي“() دون أن يشير إلي ذالك؛ واقتبس ابن قيِّم الجوزية (ت ٧٥١هـ) من كتاب ابن الصلاح في ”أَعْلامُ المُوَقِّعِين
عن ربِّ العَالمَين“() و كذالك جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه ”الرَّد علي من أخلد إلي الأرض وجهل أنَّ الاجتهاد في كلِّ عصر فرض“() و سماه مرَّة “أدب الفتيا“ و مرَّة أخري ”آداب الفتيا“.
فمن قول ابن الصلاح بأن الغرض من كتابه هو ”بيان شرف مرتبة الفتوي وخطرها، والتنبيه علي آفاتها وعظيم غدرها“ نفهم أن للمفتي مكانًا شريفًا وخطيرًا في المجتمع المسلم، ولكن في نفس الوقت عليه ذنب عظيم إن لم يأدي دوره الشريف هذا كما يجب.. لذا، علي المفتي الشريف أن يتعلم آداب الافتاء قبل وأثناء إصدار الفتوي حتي لا يقع في بؤرة آفاتها وعظيم غدرها .. هذا، ولأن التشريف بالفتوي أطلق لبعض الناس الطريق المطلق في إصدار ونشر فتياهم غير الصحيحة كما نشاهد اليوم، كان يجب التحذير من الفتيا للذين ليسوا من أهلها.. بل، بعض العلماء الكبار الذين كانوا من أهلها، كالامام مالك، كان يقول ”لا أدري“ في كثير مما سُئِلَ.. وقد روي عن الهيثم بن جميل، قال: ”شهدتُ مالك بن أنس سُئِلَ عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثون ”لا ادري“().. وعن مالكٍ، رضي الله عنه أيضاً: ”أنَّهُ ربَّما كان يُسْئَلُ عن خمسين مسئلةٍ فلا يجيب في واحدة منها. وكان يقول: ”من أجاب في مسئلةٍ فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه علي الجنة أو النار، وكيف يكون خَلاصُه في الآخرة؟ ثمّ يجيب فيها“(). وعن الإمام مالك، رضيي الله عنه: أَنَّهُ سُئِلَ عن مسئلةٍ؟ فقال: ”لا أدري“. فقيل له: ”إنها مسئلة خفيفة سهلة“. فغضب، وقال: ”ليس في العلم شيءٌ خفيف، أما سمعت قوله جلَّ ثناؤه:{إِنَّا سَنُلْقيِ عَلَيكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}. فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يُسْئَل عنه يوم القيامة“.
ولكن، لم يكن الحذر فقط سبب امتناع العلماء الكبار من الفتوي، بل كان كسب الفضل عند الله سبباً لصدور الفتوي أو رفض صدورها كذالك.. نعرف ذالك من رواية عن الامام الشافعي رضي الله عنه: ” أَنَّهُ سُئِلَ عن مسئلةٍ، فسكت ، فقيل له ألا تجيب، رحمك الله؟ فقال: حتّي أدري الفضل في سكوتي، أو في الجواب“().
وإنطلاقا مما سبق من القول، ندرك أن مزاج المفتي عامل مهم في إصدار الفتوي و لذالك ركز العلماء علي إبراز شروط المفتي وصفاته وأحكامه وآدابه. فأما شروط المفتي وصفاته فهي، كما أوردها ابن الصلاح في كتابه ”أدب المفتي والمستفتي“، علي المفتي أن يكون مكلَّفاً مسلماً، منتزهاً من أسباب الفسق و مسقطات المروءة، لأنّ من لم يكن كذالك فقوله غير صالح للإعتماد، وإن كان من أهل الاجتهاد؛ وأن يكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاسنباط ومستيقظاً().. وأما أحكام المفتي فابن الصلاح يري بأنه لا يُشْترط في المفتي الحريّةُ، والذكورةُ، كما في الراوي، و ينبغي أن يكون كالراوي أيضاً في أنه لا تؤثِّرُ فيه القرابةُ والعداوةُ وجرُّ النفع، ودفعُ الضرر، لأن المفتي في حكمِ من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص() .. وأما آداب المفتي، فيجب علي المفتي حيث يجب عليه الجواب أن يُبَيِّنَهُ بياناً مُزيحاً للأشكال، ثمَّ له أن يجيب شفاهاً باللسان().
لا جرمَ أنَّ الحالة النفسية للمفتي مهمة للغاية وأنَّ شروطه وصفاته و أحكامه و آدابه لا بد منها، ولكن تحديد المغزي و الغاية لفتياه مهمة كذالك. وهذا ما بنقصنا في الكتب المعتمدة: تحديد غاية أو هدف الفتيا. لذا، وجدت تحديد أهداف المؤتمر العالمى للإفتاء في العام الماضي(أكتوبر 2017) في القاهرة مفيدة جداً. ولقد جاء هذا المؤتمر عن “دور الفتوى فى استقرار المجتمعات“ بعد أن شهدت الفترة الأخيرة، مجموعة من الفتاوى الضالة، زعزعت أمن واستقرار المجتمعات، وأشاعت الكراهية بين الناس، وبررت القتل والذبح، الأمر الذى جعل دار الإفتاء المصرية عبر الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم تناقش هذه الظاهرة بصورة علمية، للخروج بنتائج قابلة للتطبيق على أرض الواقع. وقد حضرت كثيرًا في مثل هذه المؤتمر ات في عالمنا الاسلامي وقرأت كثيراً من أهدافها ووصاياها وقراراتها النبيلة، ولكن ما شاهدت قَطُّ أن تلك الأهداف والوصايا والقرارات اتخذت في المؤتمر السابق كانت تُعْرَضُ في المؤتمر اللاحق للنظر وتقويم مستوي فهمنا لها وتحقيقها في أرض الواقع. فضد هذه العادة، أودّ أن أذكركم بأهداف المؤتمر العالمى للإفتاء من العام الماضي في القاهرة لكي لا نكون دئمًا في البداية بل لنكون دائماً في الاستمرارية لمصيرنا، فهذه الأهذاف هي:
التعرف على المشكلات في عالم الإفتاء المعاصر، ووضع حلول لها.
الكشف عن الأدوار التى يمكن للإفتاء المعاصرالاضطلاع بها فى تصويب الواقع والارتقاء به إلى أعلى المستويات الحضارية.
يبحث المؤتمر آفاق عملية الفتوى من حيث تعلقها بحياة الناس في مختلف مناشطها.
دراسة كيفية استخدام منجزات العلم الحديث بروافده المتعددة في خدمة عملية الفتوى.
الوصول إلى أدوار محدودة تؤديها عملية الإفتاء فى مجال التنمية المجتمعية.
نقل مجال الإفتاء من مجال سلبى يقتصر على المشكلات إلى مجال إيجابى ينتقل إلى عمل التدابير الوقائية من المشكلات.
التنبية على طبيعة ما يسمى بفتاوى الأمة.
التأكيد على عدم ولوج الأفراد لهذا المنزلق الخطير بعيدا عن ساحات الاجتهاد الاجتماعى.
وضع ضوابط محددة لعملية الاستنباط من التراث.
التنبيه على خطورة الفتاوى التاريخية إذا تمت دراستها بعيدا عن سياقاتها التاريخية والواقعية.
فلو لم تكن تلك الأهداف مجملة كما هي، لكفانا من القول ماقصدناه هنا وهو أن نلفت النظر إلي أهمية تعريف و تحديد غاية الفتوي الكبري. وبطبيعة الحال، هذا التعريف وهذا التحديد لغاية الفتوي بهدف تربية نفس المستفتي، وليس بهدف وصف المفتي فحسب، نجده واضحاً في القرآن الكريم وفي السنة النبوية. ففي القرآن يقول سبحانه وتعالي: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (الشمس٧ـ١٠)؛ وفي الحديث يقول نبي الله، صلي الله عليه و سلم: عن مَعنُ بن عيسَى الأَشجَعيُّ، أَخبَرنا مالِكُ بن أَنَسٍ أَنهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسولَ الله صَلى الله عَلَيه وسَلم قال: إِنَّما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ حُسنَ الأَخلاَقِ؛ وفي يراية أخري: عن هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَالَ : إِنَّ أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا ، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ؛ وقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم ( إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ). فقد نَبَّهَ ابو القاسم الحسين بن محمد الرّاغب الاصفها ني في كتابه ” الذريعة إلي مكارم الشريعة“ هذه العلاقة الوطيدة بين الشريعة ومكارم الأخلاق حيث قال: ”واعلم أن العبادة أعم من المكرمة، فإن كل مكرمة عبادة، و ليس كلُ عبادةٍ مكرمةً.. لا يصلح لخلافة الله تعالى ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه إلا من كان طاهرَ النفسِ قد أُزيلَ رجسُه ونَجِسُه، فللنَّفسِ نجاسةٌ كما أن للبَدَنِ نجاسةٌ، لكن نجاسة البدن تُدْرَكُ بالبصر و نجاسة النفس لا تُدْرُكُ إلا بالبصيرة.. وإنما لم يصلح لخلافة الله تعالى إلا من كان طاهرَ النفس، لأن الخلافة هي الاقتداء به على قدر طاقة البشر في تحري لأفعال الإلهية، و من لم يكن طاهر النفس لم يكن طاهر القول و الفعل، فكل إناء بالذي فيه ينضح..“().
إذن، هدف الإسلام العظيم هو خُلُقُ نفس الإنسان ودفع الأحزان من قلبه وإحياء وعيه بأمانة خلافته الكبري في الأرض وذالك من خلال تبيينه له ما نزل اليه من الله من رسوله الكريم ومن بعده وما وُكِّلَ إلي العلماء ورثة الأنبياء، قال تعالي: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (النحل: ٦٤)؛ و قال رسول الله، صلي الله عليه و سلم: روى أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ضمن حديث طويل:” إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَّثوا العلم،فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر”. هذا الحديث يبيِّن فضل العلماء، توضيحًا لقوله تعالى:( يَرْفَعُ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والذِينَ أُوتوا العِلْمَ دَرجاتٍ) (المجادلة : 11) فهم الوارثون لما تركه الرسول، لأنه القائل:” بلِّغوا عني ولو آية ” رواه البخاري
إذن، فإنّ غاية الفتوي الكبري هو علاج نفس الإنسان وقلبه.. فالمفتي هو بمثابة الطبيب النفسي والمستفتي هو بمثابة طالب العلاج لنفسه ولقلبه لأنّ نفسه وقلبه غير مطمئن في مسئلة في الدين أو الحياة الشخصية أو الإجتماعية.. ولكي يتمكن المفتي أن يقوم بمهمة الطبيب لنفس الإنسان وقلبه فلا بد من أن يكون مُؤَهَّلاً لِلْقِيَامِ بِتشخيص أسباب مرض نفس الإنسان وقلبه لأن كل مرض غير معروف الأسباب غيرُ موجود الشفاء. نحن اليوم لا نعاني من أزمة العقل كما كان الحال في الماضي، بل نحن اليوم نعاني من أزمة القلب وسببها هو الاضطراب النفسي الذي ينتج عن الشعور بالضيق أو العجز الذي يصيب الفرد الذي لايعد جزءًا من النمو الطبيعي للمهارات العقلية أو الثقافية..

فلنسئل، إذن: ما هو القلب في نفس الانسان؟ القلب في الانسان هو ذلك العضو الذي يَضُخُّ الدم في جميع أنحاء الجسم عبر الدورة الدموية، فيزوّد الأنسجة بالأكسجين والمواد المغذية، ويزيل منها ثاني أكسيد الكربون والفضلات الأخرى. إن أنسجة الجسم تحتاج إلى تغذية مستمرة حتى تحافظ على نشاطها. وكما يقول الأخصائيون، إذا عجز القلب عن تزويد الأعضاء والأنسجة بالدم، فإن مصيرها الموت.
لكن، هل هذا كل ما يجب أن نعرفه عن القلب الانساني؟ من المؤكد، لا. إضافة ألي ذالك، يجب علينا أن نعرف أن القلب الانساني أكثر من مجرد عضو مادي يَضُخُّ الدم. علينا أن نعرف أن القلب الانساني روحٌ من الله (”وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ“)، إنه الروح التي تَضُخُّ الحبَّ في العقل عبر الدورة الدموية، فتزود حواس الروح بالثقة الوثقي والإيمان المثلي وتزيل البغضاء والرذائل الأخرى. إن حواس الروح تحتاج إلى إمداد مستمر بالثقة الوثقي والايمان المثلي حتى تبقى نشطة. فإن عجز القلب عن تزويد الروح والعقل بالثقة الوثقي والايمان المثلي، فسيكون الموت نهايتهما الحتمية. بيد أنه قبل موتهما، قد نلاحظ أن الروح والعقل في أزمة أو أنهما مريضان.
وبالتالي، فالسؤال هو: هل يعيش القلب الانساني اليوم أزمته بسبب نقص إمداده بالثقة الوثقي والإيمان المثلي بالله، مما ينتج عنه، نقص الثقة في الإنسان، حامل القلب الاساني؟ وهل أصبح القلب الانساني مريضا اليوم؟
لا، إن المرض لم يتمكن بعد من القلب الانساني. لكن ذلك القلب يعاني من أزمة حادة تتجلى في عجزه عن ضَخٍّ ما يكفي من الحب في العقل الانساني. هناك نقص في الحب، ونقص في الثقة، ونقص في الإيمان، ونقص في الأمانة، ونقص في الصدق، ونقص في الأخلاق، ونقص في العزيمة، ونقص في الأخوة، ونقص في الصداقة. إن القلب الانساني اليوم يسير نحو فقدان لمسة الروح الإلهية. بينما يحاول العقل باستمرار فرض سيطرته. لكن لن يكون بمقدور العقل أن يستحوذ على كل شيء، لأنه عاجز عن أن يكون بَديلا للقلب؛ ولن يتعرف العقل أبدا على الشعور القلبي الدقيق، لأن العقل لا يمتلك الرحمة التي يمتلكها القلب، والقلب لا يمتلك السبب الذي يمتلكه العقل لتبرير الشر.
ونتيجة لفقدان القلب الانساني للمسة الروح الإلهية، أصبح فاترا، باردا، معاديا، متحجرا، جامدا، متجمدا، مبتعدا، غير مبال، منسحبا، موحشا، غير متجاوب، بلا إحساس، بلا عواطف، غير متعاطف، متخشبا، شكليا، قاسيا، متزمتا… إن القلب الانساني اليوم لا يلامس الروح؛ ولا يحس بالروح. إنه لا يهتم بالآخر؛ فهو لا يحب القريب ولا يتوق إلى البعيد. ما عاد القلب الانساني يعرف معنى الأحاسيس، ومعنى المحبة، ومعنى الثقة، ومعنى لمس الجوهر. لا، لا تتسرعوا أبدا في الحكم بأننا مختلفون في كل هذا، فنحن اليوم متشابهون جدا في قلوبنا وعقولنا؛ نحن اليوم كائنات العولمة من البشر، أيا كان معنى ذلك، متماثلون، بغض النظر عن أدياننا وثقافاتنا وجغرافيتنا، ومؤهلاتنا العلمية، وجنسنا، وأعمارنا ومهننا؛ نحن جميعا بحاجة إلى استعادة القوة التي فقدها القلب، بعد أن اختطفه العقل، ذلك العقل الذي بلغ درجة مفرطة من العجرفة لا يجوز معها أن يترك بدون رادع من المحبة والثقة اللتين يضخّهما القلب. نحن لسنا آلات، لذا فمن غير الممكن إصلاحنا أو التنبؤ بما سيحدث لنا، بل يكاد يكون من المستحيل التنبؤ برد فعل أحدنا على الأحداث. نحن المخلوق الوحيد الذي لا يملك غريزة يميز بها ما ينفعه عما يضره. وخلافا للحيوانات الأخرى التي يمكن أن تستشعر الخطر، فإن البشر لا يمكنهم حتى أن يتعرفوا على الطعام المفيد لهم أو الضار بهم، فطريقنا الوحيدة إلى معرفة ذلك هي التعلم. إن أول أمر نزل به الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن: “آمِن!” بل “اقرأ!” بمعنى: “تعلّم!”. فنحن في حقيقتنا ما نُعَلَّم وما نتعلم. لذا يجب علينا أن نتعلم الحب، وليس البغض، ويجب علينا أن نعلم قلوبنا كيف تتخذ مواقف طيبة تجاه الآخرين، حتى يتخذ الآخرون مواقف طيبة تجاهنا.
لقد تعلمت من تجربة العيش في الحرب والسلام أن الكتاب المقدس ليس قانونا ما لم يدخل القلب. وهكذا، فإن القانون ليس في الكتاب؛ بل هو في القلب. إنه القلب حيث يستوطن الحب والبغض. إنه القلب الذي يقرر استبدال البغض بالمحبة أو استبدال المحبة بالبغض. إنه القلب الذي يمكنه أن يقرر تغيير مسار التاريخ باستبدال مفهوم فن السلام بمفهوم فن الحرب؛ وبإحياء فكرة السلام العادل عوضا عن فكرة الحرب العادلة؛ والعودة إلى الفطرة السليمة للسلام المقدس، وترك معاني الحروب المقدسة. إن هذه التحديات الثلاث هي أكثر التحديات التي تواجه أهل الإيمان في القرن الحادي والعشرين، بمعنى قدرتهم واستعدادهم لتغيير العقلية التي وضعوها في الماضي عن الحرب المقدسة والحرب العادلة. لقد جاءت فكرة فن الحرب، وليس فن السلام، من الخبير العسكري الصيني القديم صن تزو. فالكتاب الأول لم يوضع لخدمة فن السلام، بل لخدمة فن الحرب، مما يعني أن العقل الانساني كان دائما أكثر انشغالا بالحرب من انشغاله بالسلم. إنني أعتقد أن الوقت قد حان للعقل البشري ليغيّر موقفه من فن الحرب، إلى فن السلام، وإلا فسيفقد كل شيء عن طريق فن الحرب النووية؛ كما آن الأوان للقلب أن يستبدل المحبة بالبغض، فإن لم يفعل، فلن يكون مفيدا في شيء البتة. يجب أن تعالج أزمة القلب البشري بأقصى قدر من الرعاية والشفقة، إذ لم يبق لدينا شيء جدير بالاهتمام سواه – إنه القلب البشري، حيث يَكمن حبنا للحياة اللائقة، وبذلك يحق لنا أن نأمل بالنجاة في الدنيا والآخرة، ودور المفتي بفتياه العلاجية لا بديل لها ولذالك يجب تجديدها واحترام العقل السليم للفرد المستقيم المعتقد في السمع المبين، إن شاء الله. آمين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *