كلمة الدكتور عبدالله الصامل في مؤتمر استانة
10/14/2018
214
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله تعالى رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد: فإنه من دواعي سروري المشاركة في مؤتمر زعماء الأديان السادس في جمهورية كازاخستان الشقيقة خلال الفترة من 10-11 من شهر أكتوبر لعام 2018م ، للحديث عن دور الدين في مواجهة ومحاربة التطرف وجهود الممملكة العربية في محاربة التطرف والإرهاب. وبداية أنقل لكم جميعاً تحيات ودعوات معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ ،للمؤتمر والمشاركين بالتوفيق والنجاح والسداد . كما أشكر حكومة دولة كازاخستان الشقيقة ممثلة بفخامة رئيس الدولة الرئيس نور سلطان نزاربييف، على كرم الضيافة وحسن الاستقبال والتنظيم والإعداد لهذا المؤتمر المهم.
وبداية لا بد من القول أن التطرف في الدين أصبح ظاهرة تشغل الكثير من الحكومات والأمم والشعوب والمجتمعات والأفراد ، لأنها ظاهرة أصبحت لا تهدد الأمن والسلم المجتمعي والحياة العامة والعلاقات بين الناس فحسب ، بل أصبحت تهدد الأمن والسلم الدوليين ، وخصوصاً إذا ما تحولت من الفكر والتنظير والتبني والتنظيم إلى مرحلة الفعل والتنفيذ والتهديد المباشر للمجتمعات والأفراد والدول . وتتمثل خطورة التطرف في استخدام الدين أياً كان ذريعة للتطرف والإرهاب والتدمير والتفجير والتخريب . وهذا هو الحاصل للأسف الشديد في هذا الوقت من بعض من زاغت عقولهم وقلوبهم عن صراط الله المستقيم وقل علمهم بالدين ، فاتبعوا أهوائهم ، والله تعالى يقول (( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله )). ويقول (( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون )). ولأن شريعة الإسلام هي شريعة الرحمة والتيسير ونبيها  هو نبي الرحمة ،فقد حذر النبي  من التطرف والغلو والتشدد في الدين،فقال :”هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ)قالها ثَلاثاً.رواه مسلم.(والمُتَنَطِّعونَ )) : المتعمقون المشددون في غير موضِعِ التشديدِ . وقال  :” إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو”. وأكد  أن هذه الشريعة شريعة رحة وتيسير ، كما قال  : بعثت بالحنيفية السمحة . وقال :” إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِى مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا ، وَلَكِنْ بَعَثَنِى مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا “. ولما سئل النبي  : أيُّ الأديانِ أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الحنيفية السمحة” . قال الشاطبي : وسمي الدين بالحنيفية السمحة لما فيها من التيسر والتسهيل. وعند البخاري من حديث أبي هريرة  أن النبي  قال :” إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، ولنْ يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غَلَبَه )). إن تفشي ظاهرة التطرف والإرهاب بات قضية دولية مطروحة على طاولة البحث والنقاش والتشريع في الندوات والمؤتمرات المحلية والدولية وفي الأمم المتحدة وعلى صعيد المجتمع الدولي كله . فلم يعد كافياً وجود قررات تعالج بعض مظاهر التطرف والإرهاب فقط ، أو التضليل على المجتمع الدولي في المؤتمرات والندوات بحصر التطرف والإرهاب في ديانة محددة أو قوم بأعيانهم ، إنما الحاجة أصبحت ملحة وماسة وضرورية إلى وجود أبحاث علمية ونظرية تُعرف وتُحرر مصطلح التطرف والإرهاب ، وتعالج هذه الظاهرة الخطيرة بأبعادها ودلالاتها المختلفة من خلال خطط بعيدة المدى ، كما أن الحاجة ملحة إلى التنظير العلمي والعملي في رد وبيان وكشف شبهات المتطرفين والإرهابيين من جميع الديانات.
فلا تكفي ردود الفعل والاستهجان والإنكار للقضاء على التطرف والإرهاب ، بل الأمر يحتاج إلى خطة استراتيجية طويلة الأمد تتفق عليها الدول كافة ، ويكون العمل فيها بين الجميع بصدق وإخلاص وتعاون وشعور بالمصير الواحد المشترك ، تهدف هذه الخطة اجتثاث ظاهرة التطرف والإرهاب من جذورها ، بتجفيف منابعها الفكرية والسياسية والثقافية والمالية وإغلاق مصادر التمويل لها .
وفي هذا الإطار المهم في سعت حكومة المملكة العربية السعودية خلال العقدين الماضيين في العمل الجاد والبناء المثمر مع المجتمع الدولي من خلال منظمة الأمم المتحدة في محارية هذه الظاهرة الخطيرة على السلم والمجتمع الدولي . ففي عام 2011 م تم إنشاء مركز الأمم المتحدة لمكافحة التطرف والإرهاب بناء على مقترح مقدم من الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله تعالى ، وتبرع الملك عبدالله رحمه الله- بميلغ مائة مليون دولار لتفعيل هذا المركز ، وأكد الملك عبدالله -رحمه الله – أن خطر التطرف والإرهاب لن يتلاشى أو يزول في زمن محدد ، فحربنا ضده ربما تطول ووتوسع ، وقد يزداد شراسة وعنفاً كلما أزداد الخناق عليه . كما أشار -رحمه الله – إلى أن العالم مطالب أكثر من أي وقت مضى بتفعيل المركز ، وأن يكون العاملون فيه من ذوي الدراية والاختصاص في هذا المجال ، وقال : إن الهدف من ذلك هو تبادل الخبرات وتمرير المعلومات بشكل فوري يتفق مع سرعة الحداث وتجنبها قبل وقوعها . وفي عام 2008 افتتح الملك عبدالله رحمه الله في مدريد بأسبانيا المؤتمر العالمي للحوار بين الأديان ، وقال في كلمة الافتتاح : إن معاناة البشرية لا يمكن أن يكون سببها الدين ، وقال : إن المآسي التي مرت في تاريخ البشر لم تكن بسبب الأديان ، ولكن بسبب التطرف الذي ابتلي به بعض اتباع كل دين سواء سماوي وكل عقيدة سياسية . ودعا رحمه الله تعالى إلى حوار بناء مثمر بين أتباع الديانات . وفي عام 2012 افتتح في العاصمة النمساوية فيينا مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين اتباع الأديان والثقافات ، يهدف هذا المركز إلى التقريب بين الشعوب والثقافات ، وتكريس مبدأ الاعتدال والتسامح والوسطية والتعايش والتآلف . ونبذ العنف والتطرف والإرهاب .
وفي عام 2017 أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله تعالى إطلاق المركز العالمي لمكافحة الإرهاب ( اعتدال ) ، والذي يهدف إلى نشر مبادئ الوسطية والاعتدال ، وقال حفظه الله تعالى : إن الإسلام دين الرحمة والسماحة والتعايش ، حيث قدم الإسلام في عصوره الزاهية أروع الأمثلة في التعايش والوئام ، لكننا اليوم نرى بعض المنتسبين للأسلام يسعى لتقديم صورة مشوهة لديننا تريد أن تربط هذا الدين العظيم بالعنف . وأكد حفظه الله على أن أهم مقاصد الشريعة الإسلامية هو حفظ النفس ، وقال : لا شرف في ارتكاب جرائم القتل ، فالإسلام دين السلام والتسامح . وهذه الأفعال البغيضة ومحاولات استغلال الإسلام كغطاء لأغراض سياسية تؤجج الكراهية والتطرف والإرهاب والصراعات الدينية والمذهبية .
وأشير إلى أن هذا المركز الدولي المكافحة التطرف والإرهاب ( اعتدال ) يستهدف مراقبة التحويلات المالية الصادرة أو الواردة من وإلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، وتبادل المعلومات المشتركة بهذا الشأن ، ويعد هذا المركز أول تجمع دولي يواجه منابع التطرف ، ويرصد اللغات واللهجات الأكثر شيوعاً لدى المتطرفين ، ويعتمد هذا المركز العالمي على نظام حوكمة رفيع المستوى يعمل فيه خبراء ومختصون في مكافحة التطرف الفكري .
كما كان لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد حفظه الله تعالى ، دور كبير وجبار في محاربة التطرف والإرهاب ومن يتبنى هذا الفكر الخبيث بكل قوة وحزم وعزم. حيث بادر حفظه الله بإنشاء تحالف إسلامي كبير لمحاربة الإرهاب والتطرف مقره السعودية وأكّد على ملاحقة الإرهاب والتطرف حتى يختفي تماماً من وجه الأرض ، وقال في كلمته في افتتاح الاجتماع الأول لمجلس وزراء دفاع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب : إنه ليس أكير خطر حققه الإرهاب والتطرف قتل الأبرياء أو نشر الكراهية ، أكبر خطر عمله الإرهاب هو تشويه سمعة ديينا الحنيف ، وتشويه عقيدتنا . لذلك لن نسمح بما قاموا به من تشويه لهذه العقيدة السمحة ومن ترويع للأبرياء في الدول الإسلامية وفي جميع دول العالم بأن يستمر أكثر من اليوم ، فاليوم بدأت ملاحقة الإرهاب ، واليوم نرى هزائمه في كثير من دول العالم ، خصوصاً الدول الإسلامية ، واليوم سنؤكد أننا سنكون نحن من يلحق وراءه حتى يختفي تماماً من وجه الأرض ).
وفي منتدى (( مبادرة مستقبل الاستثمار )) الذي عقد في الرياض خلال أكتوبر الماضي تعهد ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، بقيادة المملكة إلى التخلص من الأفكار المتشددة، كي تتماشى مع تطلعات مجتمع سعودي شاب، وتلبي طموحات مئات المستثمرين المجتمعين في الرياض، وقال : «نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه قبل عام 1979، إلى الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان وعلى جميع التقاليد والشعوب»، مضيفاً أن «70 في المائة من الشعب السعودي أقل من 30 سنة، وبكل صراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار مدمرة، سندمرها اليوم وفوراً». وقال أيضا: «نريد أن نعيش حياة طبيعية، حياة تترجم ديننا السمح وعاداتنا وتقاليدنا الطيبة… وهذا أمر أعتقد أنه اتُّخذت خطوات واضحة حوله في الفترة الماضية، وإننا سنقضي على بقايا التطرف في القريب العاجل».
وفي كلمته بمناسبة اليوم الوطني الثامن والثامن للمملكة العربية السعودية أكد أن السعودية ستظل متمسكة بثوابت الإسلام الحنيف دين الوسطية والاعتدال ومحاربة التطرف والإرهاب بلا هوادة ، مشيراً لى تأكيد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز على أنه : لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالا ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه ، ولا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال واستغلال يسر الدين لتحقيق أهدافه )).
وقد أشار الكثير من المشاركين في هذا المؤتمر إلى أن أهم أسباب التطرف والإرهاب وجود الفساد المالي في الحكومات ، وفي هذا الإطار كان لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظه الله تعالى قصب السبق في محاربة الفساد والمفسدين بكل حزم وقوة دون التفريق بين أحد ، مما كان له الأثر العظيم والصدى الواسع الإيجابي على المستوى المحلي والإقليمي والدولي .
فهذه جهود جبارة عظيمة تبذلها حكومة المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين ، وولي عهده الأمين حفظهم الله تعالى في محاربة التطرف التطرف والإرهاب . أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يعم الأمن والأمان والسلام والتسامح في جميع البلدان ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *