الإنسان في القرآن: في دلالة التكريم
08/30/2018
177
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

تتأسس المكانة الرفيعة للإنسان في القرآن على مبادئ كثيرة، تشكل جوهر ما يمكن اعتباره نزعة إنسانية قرآنية؛ فإلى جانب كون القرآن تناول الإنسان في أبعاده المتعددة، يؤكد في نفس الوقت أنه الكائن الوحيد الذي خصه الله بهذه المنزلة الرفيعة، وذلك راجع إلى أمور عديدة يمكن إجمالها في مبادئ أساسية تشكل أعمدة البناء التصوري القرآني منها؛ خاصيتا التكريم والتفضيل التي ميز بهما الله الإنسان، وقد بينهما تعالى في سياق الحديث عن مكانة الإنسان بين باقي المخلوقات، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[1]، والكرامة في الآية مختصة بمطلق الإنسان دون تمييز، ومن تمام هذه الكرامة أن خصه الله بنوره وعلمه واستخلافه في الأرض وخصه بتحية الملائكة حين أمرهم بالسجود له: (ِإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).[2]

فالإنسان وفق التصور القرآني مخلوق مكرم ومقدس، وهذه الكرامة لم تتأت له جزافا ولا عبثا، وإنما لها أسباب ودواع حقيقية لا تتحصل إلا بها، ويمكن عموما توضيح علل هذا التكريم والتفضيل للإنسان، باستقراء آيات القرآن في أمور منها:

–     لتميز الإنسان بالعقل على باقي المخلوقات؛

–     لتميزه بالعلم والمعرفة، والقابلية للتعلم وتحصيل المعارف؛

–     لأن الله خصه بخطابه واستخلفه في أرضه.

إن التكريم الإلهي لبني آدم، هو تكريم لجنس الإنسان، فلا هو تكريم للأبيض ولا للأسود، ولا لغيرهما إنه تكريم لبني آدم، ولهذا فإن منطق القرآن يريدنا أن نتفهم حقيقة وجوهر الإنسان بما هو إنسان متميز بخصائصه ووظائفه وأدواره، فليس لأحد أن يدعي أنه تكريم لليهودي، أو للمجوسي، أو للمسلم أو لغير هؤلاء ممن لا يدين بدين، ولا ينتمي إلى مذهب[3].

ذلك أن التكريم والتفضيل يساوي بين جميع الأفراد والذوات بالنظر إلى أصل الخلق المشترك وبالنظر إلى الخالق الواحد لجميع الذوات؛ فـ “خالق كل الكائنات البشرية إله واحد، فهي لذلك أشخاص متساوية فيما بينها، وليس الفرق بين الأشخاص فرقا نوعيا، كما عند أرسطو الذي يجعل من الأرقاء مجرد آلات حية مشيأة، إنه فرق كيفي فحسب. فهناك المؤمنون وغير المؤمنين (كافرون أو وثنيون أو مشركون). والرسالة إذ تخاطب المؤمنين وغير المؤمنين، دونما فرق، تعترف لهؤلاء وأولئك بتساو نوعي؛ إنها تعترف لكل واحد بقيمة نوعية بصفته شخصا في -ذاته- فليس هناك أنا وضيع وأنا رفيع، إنما ذوات متساوية أمام الله والمجتمع.”[4]

إذن، فالكرامة الإلهية تخص بني آدم عامة، والأخذ بأسبابها موكول إلى الإنسان، فهو الذي يختار بين أن يكون كائنا مكرما منسجما مع أصل خلقته، وبين أن يتنزل إلى مستوى الحيوانية، فيرضى لنفسه العبودية للشهوات ويتخذ هواه إلها، قال تعالى: (لقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)[5].

تفيد هذه الآيات “أن للإنسان شأنية الارتقاء والتحقق على مستوى الحياة، والاستمرار على ما تميز به من خصائص من الله تعالى، بل إن الآية تؤكد أن للإنسان من الله حسن القوامة والصبغة، سواء في المادة أو في الصورة، باعتباره إنسانا متجليا في عالم الخلق الإلهي.

وهذا التجلي للإنسان ترجمته العملية؛ الإيمان والعمل الصالح، فحيث يتحقق ذلك تكون للإنسان تجلياته وإنسانيته التي يرتقي بها مادام آخذا بأسبابها وداعيا لأهدافها، وقوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا…) ناظر إلى طبيعة التحول الإنساني بين أن يكون متجليا ومرتقيا وبين أن يكون متسافلا، وفي كلا الأمرين لابد للإنسان من ملاحظة ذاته وصيرورتها، حيث يعلم أن الذي جعله في أحسن تقويم له أن يجعله في أسفل سافلين فيما لو غاب عن ذاته، وتجاهل تحولاته، وأطفأ شعلة الإيمان في قلبه.”[6]

والقرآن يبين منزلة الإنسان في الكون، فيقرر أن عناصر الكون لا تستوي والإنسان في المنزلة، ولا ترقى عليها أيضا، وإنما هي دونه في سلم الرقي الكوني، وهي خاضعة له مسخرة لمنفعته، لا فرق في ذلك بين الحيوان الذي سخر لحمله من مكان إلى مكان، والنبات الذي جعل له فاكهة وطعاما، وبهجة وزينة.

والموجودات الكونية ليست إلا مظهرا من مظاهر تكريم هذا الإنسان، وإعلاء شأنه وإشعاره برئاسته لهذا العالم المحسوس[7]، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.)[8]

تسكن الإنسان دوافع شهوانية، يعيش بسببها صراعا مع ذاته في سبيل تحقيق إنسانيته، فإما أن يأخذ بأسباب الأنسنة ودوافعها، وإما أن يسقط في شراك الحيوانية واللاإنسانية والأمر راجع إليه في جميع الأحوال، وهذا ما نستشفه من قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)[9].

والله تعالى خص الإنسان بالتفضيل حتى على الملائكة، بما ألهمه من مقومات يرتقي بها ويزكيها ويحرر بها نفسه يقول البوطي: “كما استدلوا على ذلك بما جهز الله به الإنسان من مقومات التكليف التي بها يستأهل الأجر والثواب على القيام بما كلفه الله به من واجبات، فقد كب الله فيه مختلف الشهوات والأهواء التي يستأهل بمقارعتها والتغلب عليها أجرا لا يستأهله الملائكة لعدم وجود شيء من هذه الشهوات والأهواء في تركيبهم الوجودي”[10]

 

إذن، فحقيقة الإنسان في التصور القرآني تتأسس على مبدأين متشاكسين، الأول يرجع إلى أصل الخلقة من ماء مهين، والمبدأ الثاني الذي يشكل الهوية الإنسانية، يكمن في أنه مخلوق مكرم على سائر المخلوقات. وأما وجه تركيز القرآن على هاتين الحقيقتين معا، والاستمرار في تذكير الإنسان بضآلة وتفاهة أصله، إلى جانب تذكيره بالمكانة التي تبوأها، وبأهمية وجوده وخطورة الصفات النادرة التي ركبت فيه، والوظيفة التي كلف بالنهوض بها؛ فلأن رجل الحضارة الإنسانية في القرآن، هو ذلك الذي ربي في ظلال هاتين الحقيقتين معا.[11]

تجسد هذا التصور في القرآن كما في السنة النبوية الشريفة، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك في كثير من أحاديثه وأفعاله، إذ يؤسس المشترك الإنساني على مبدأ الفطرة، وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟”[12]

قال صلى الله عليه وسلم: “يا أيُّها النَّاسُ ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ وإنَّ أباكم واحدٌ ألا لا فضلَ لِعَربيٍّ على أعجميٍّ ولا لعَجميٍّ على عربِيٍّ ولا لِأحمرَ على أسودَ ولا لِأسودَ على أحمرَ إلاَّ بالتَّقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فليبلغ الشاهد الغائب”[13].

وفي سنن الترمذي: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: “يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم وخلق الله آدم من التراب.”[14]

ولم يكن الموقف النبوي صادرا عن تصور نظري صرف، بل قد جسده عمليا وهو في موقف قوة ولا أدل على ذلك ما قد يتبين للدارس لسيرته عليه الصلاة والسلام، وخير مثال ما جاء في وثيقة المدينة، حين أقر الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود دينهم وأسس العلاقة بهم على العدل لا الدين: “لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته”[15]. بثلم عبدالله ادالكوس

[1] سورة الإسراء، الآية 70

[2] سورة ص، الآيتين 71-72

[3] فرح موسى، “الإنسان والحضارة في القرآن الكريم”، مرجع سابق ص 35

[4] الحبابي محمد عزيز، “الشخصانية الإسلامية”، دار المعارف الطبعة الثانية، القاهرة، ص 9

[5] سورة التين، الآيات، 4-6

[6] فرح موسى، “الإنسان والحضارة في القرآن الكريم”، مرجع سابق ص 41

[7] قنيبي حامد صادق، “الكون والإنسان في التصور الإسلامي”، مكتبة الفلاح، الطبعة1، الكويت، 1980، ص 99

[8] سورة الإسراء، الآية 70

[9] سورة الشمس، الآيات 7- 10

[10] البوطي محمد سعيد رمضان، “كبرى اليقينيات الكونية: وجود الخالق ووظيفة المخلوق”، دار الفكر المعاصر، الطبعة الثامنة، 1982، ص 249

[11] البوطي، محمد سعيد رمضان، “منهج الحضارة الإسلامية في القرآن”، دار الفكر، الطبعة1، دمشق، 1982، ص 50

[12]صحيح البخاري، كتاب الجنائز، رقم الحديث 1358

[13] سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم الحديث 2700، ج6، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، 1996، ص 449

[14] الترمذي، “الجامع الصحيح”، كتاب تفسير القرآن باب سورة الحجرات، حديث رقم 3270

[15] ابن هشام، “السيرة النبوية”، ج2. علق عليها وخرج أحاديثها محمد حسين الخطيب وعمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1990، ص 143

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *