شرف الزمان والمكان في طمأنينة وأمان
08/16/2018
184
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

ندوة الحج الكبري
لعام 1439هـ السنوية
يومي الأربعاء والخميس 4-5/12/1439هـ
الموافق 15-16/08/2018

العنوان:
شرف الزمان والمكان في طمأنينة وأمان

الورقة:
الحج توحيد للقلوب

مصطفي إبراهيم تيسيرتش
المفتي العام في البوسنة سابقا

الحمد لله الذى جعل المسجد الحرام أمناً ومثابة للناس، وأمر بتطهير الكعبة، البيت الحرام، للطائفين والعاكفين، وأزال الله فيه البأس عن الناس،وأطعمهم فيه من الجوع، وآمنهم فيه من الخوف ..
نحمد الله على حصول المراد، ونشكره على الكرامة والإسعاد بهذا الحرم الشريف، سواء للعاكف فيه والباد. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكله وهو العزيز الحكيم..
ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، المنزل عليه: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِالْحَرَامِ، وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (البقرة:١٤٤).
وبعد:
فيشرفني أن أقف اليوم في هذا البلد الذي قال سبحانه وتعالى فيه: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِيكَبَدٍ} (البلد:١-٤).
فهل هناك شرف بعد هذا الشرف بأن أقف اليوم في بلد ولد فيه والد وولدت فيه والدة وولد فيه مولودها الذي {أَرْسَلْهُ الله شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًاوَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب: ٤٥ ـ ٤٦)..بَلْ، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَالْمُشْرِكُونَ } (التوبة: ٣٣).. بَلْ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ {رَحْمَةً للعَالمَيِن} (الأنبياء: ١٠٧).. بَلْ، أوْحيَ إِلَيْه سُبْحَانَهُ وتَعَالى بِقَوْلِهِ: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَارَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون: ٥٢)..
فهل هناك كرم بعد هذا الكرم بأن أجلس اليوم علي هذه المائدة المباركة تحت رعاية وسيادة وسقاية وسدانة كريمة من خادم الحرمين الشريفينالملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله ورعاه.. إنّه خادم الحرمين الشريفين الذي نعرفه نحن في البوسنة بعنايته ورعايته الصادقة والدائمةلخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، ونعرفه بسعيه الدائم لجمع وتوحيد كلمة أمتنا المجيدة من مشرقها إلى مغربها ومن شمالها الى جنوبها..
إنه مما لا ريب فيه أنَّ كلمةَ التوحيد {”لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ“} هي أساسٌ لديننا الحنيف والصحيح الهادي إلى الفلاح، وأنَّ توحيدَ الكلمة {”وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِاللهِ جَميِعًا وَلَا تَفَرَّقُوا“} (آل عمران:١٠٣) هو شرطٌ أساسيٌ لدوام شرفنا وقوتنا وعزتنا، نحن المسلمين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِوَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران:١٠٢)، وشرط ذلك هو اعتصامنا بِحَبْلِ اللَّهِ بلا استثناء، وعدم التفرقة فيما بيننا بلا ترددٍ..
فإذا كانت أسس الإسلام خمسة كما بيّنها نبينا عليه الصلاة والسلام، فعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {بُنِيَالإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البيت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ} (البخاري ومسلم( فحدودقواعد الاسلام خمسة كذلك: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. أما القاعدة الأولى وهي: الشهادتان، فلا بد فيها من اعتقاد بالقلب ونطقباللسان وتلك هي الهوية الإيمانية التوحيدية الفردية للإنسان الواعي لتلكما الشهادتين. وتفاصيلها، كما عرضها القاضي أبو الفضل عياض السبتي (توفي٥٤٤هـ) في كتابه ”الإعلام بحدود قواعد الاسلام“ : [أربعون عقيدة: عشر يُعْتَقَدُ وجوبُه، وعشر يُعْتَقَدُ استحالتُه، وعشر يتحقق وجودُه، وعشر متيقنورودُها]..
القاعدة الثانية من قواعد الإسلام هي الصلاة. وهي عماد الدين للفرد والمجتمع، قال تعالى: {إِنَّ الصَلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت:٤٥)، فتزكية النفس للفرد من خلال إقامة الصلاة تعود بالخير على المجتمع، وإقامة المجتمع على إقامة الصلاة في البيت بمفرده وفي المسجد بجماعته،يزداد في الإنسان إيمانا يقينا وأخلاقا نبيلة. وتزكية النفس نوعان: التخلية، والتحلية. أما التخلية فيقصد بها تطهير النفس من الأمراض والرذائل، وأماالتحلية: فهي ملؤها بالأخلاق الفاضلة وإحلالها محل الأخلاق الرذيلة بعد أن خليت منها..
والقاعدة الثالثة هي الزكاة. بها تُطهر القلوب وتُحصن من الأحقاد، قال تعالى: {خُذ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ، إِنَّصَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة: ١٠٣)..
والقاعدة الرابعة هي الصوم الَّذي كُتِبِ لتحقيق التقوى وتربية النفس لدى الفرد والمجتمع. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَاكُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقوُنَ} (البقرة: ١٨٣)..
والقاعدة الخامسة والأخيرة هي الحج الذي يتضمن جميع معاني قواعد الإسلام الآنفة الذِّكر والتي تُثْري الفرد والمجتمع بالأخلاق الفاضلة وهكذامن الفرد إلى المجتمع ومن المجتمع إلى الفرد تتداول السكينة بين الناس لكي يبلغ الإنسان مراده وهو توحيد قلوب الإنسانية، الإنسانية كما هي في خيرأمَّة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، وهي الحاملة والمتحملة، وهي المتواصية بالحق والمتواصية بالصبر حيث أدركت بأن يوم الحجالأكبر وفي جبل عرفات أُكْمِلَتْ لها الرسالة الإلهية وأُتْمِمَتْ نعمة الله عليها. قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُالْإِسْلَامَ دِينًا} (المائد: ٣ ).
فإذا كانت الشهادة الأولى والشهادة الثانية هويةً شخصيةً فرديةً لكل إنسان من عهد {”قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا“}، وإذا كانت الصلاةُ عبادةً لله وتربيةً لنفسالفرد لتجنبه الفحشاء والمنكر من أجل سلامة المجتمع، وإذا كانت الزكاة تطهيرًا وتزكيةً لنفس الفرد والمجتمع معا، وإذا كان صوم رمضان لقاءً معهوداًمع الله في سر القلب وسروره لتمرين الفرد على الصبر وضبط النفس من أجل الصلح في الأهل والمجتمع، فإن الحجَ توحيدٌ للقلوب البشرية،وتـوحيدٌ للنفوس الإنسانية، توحيدٌ للأهالي الأسرية وتوحيدٌ للمجتمعات العالمية بل والكونية. . وقد ورد في القرآن الكريم {”اَلْبَيْتُ الْمَعْموُرُ}“، قالسبحانه وتعالى: {والطُّورِ، وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، والسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} (الطور:١-٢)، وهو البيت الذي يقع في السماء السابعةويستند إليه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ويدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لايعودون إليه، ويقابله البيت الحرام في مكة المكرمة في الأرض،فالملائكة تطوف في السماء، والناس يطوفون في الأرض. إذن، إذا كانت الوحدة بين الأرض والسماء يوم الحج واردةً، فلِمَ لا يمكن أن تكون هذه الوحدةواردةً بين البشر في الأرض؟ بلا شكَّ، إنها واجبة على المسلمين اليوم أكثر من أي وقت مضى.. إنها فرض عين على العلماء ”ورثة الأنبياء“ وفرضكفاية على قادة هذه الأمة، سواء العاكف فيه والباد. لذا {”فلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فيِ الحَجِّ“} ( البقرة:١٩٧) لأن موسم الحج هو موسمُ توحيدٍللقلوب بين البشر وهو موسم تأليفٍ بين المسلمين الذين لولاه ما عرفوا معنى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة. قال تعالى: {وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّحَسْبَكَ اللَّهُ، هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، ولَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، إِنَّهُ عَزِيزٌحَكِيمٌ} (الأنفال: ٦٢ـ٦٣).
وكما تُذكِّرنا الشهادة الأولى بعهدنا مع ربنا في الأزل، وكما تحصننا الصلاة من الفحشاء والمنكر، وكما تزكّينا الزكاة من رأس مالنا الزائد، وكمايُكسبنا صوم رمضان التقوى، فهكذا الحجُّ يَلْقَنُنَا الدرسَ في الحج كيف يجب أن نقف صفّا واحداً بِلاَ فُسُوقٍ وَبِلاَ جِدَالٍ، لَيْسَ فيِ الحَجِّ فحسب، وليس فيجبل عرفات فحسب، بل وبعد الحجِّ وبعد عرفات كذلك لأن غاية الحج الكبرى وغاية الوقوف بعرفات هي توحيدٌ وتأليفٌ بين قلوب المسلمين وكذلكتصديقٌ وتثبيتٌ لتعاونهم على البر والتقوى وتفاديهم الإثم والعدران على مستوى العالم.. قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ، وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِوَالْعُدْوَانِ، وَاتَّقُوا اللَّه} (المائدة: 2).
فالخاتمة هي أنه متى يُصْبِحْ صفّ المسلمين في العالم بنيانا مرصوصا كما هو يومَ عرفة على جبل عرفات، وكما هو يومَ الإفاضة بالكعبة وفيالصلاة بالمسجد الحرام في {”أَشْهُرٍ مَّعْلُومَاتٍ”}، تَنْتَصِرْ هذه الأمة فيُرْفَعْ شأنها كما يجب فيُسْمَعْ صوتُها في العالم كما تستحق أن يسمع وتنتهي الفتنوالمحن والمشقّات والمعاناة التي تعاني منها أمتنا في الداخل ومن الخارج من الظلم والعدوان على أبنائها.
فهذه رسالة من ندوة الحج الكبرى لهذا العام ١٤٣٩هـ/٢٠١٨م في المكة المكرمة تدعوكم، أيها المسلمون، وأنتم هنا في شرف الزمان والمكان فيطمأنينة وأمان تحت رعاية وسيادة وسقاية وسدانة كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله ورعاه – نعم،أيها المسلمون في كل مكان، تدعوكم هذه الرسالة بأن تحافظوا على كلمة التوحيد في الدين وأن تحافظوا علي توحيد الكلمة بين المسلمين كما تعلمتموهافي كل الحج لتحملوها وتتحملوها بعد كل الحج أينما كنتم وأينما دمتم حتي يأتكم النصر الموعود من الله ولو كره المكرهون.
هذا و من خلال ما سبق بهذه المناسبة، يتضح لنا أن موضوع الحج وتوحيد للقلوب بين المسلمين من الموضوعات المهمة المؤثرة في حياة أمتناالعظيمة، فيجب الاهتمام به حتى نرتقي ونتقدم بأمتنا نحو السلام والأمن والإستقرار لأن الله سبحانه وتعالي وعدنا ووعده الحق: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًوَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون: ٥٢)..
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ويوفق أمتنا للنجاح الدائم والتفوق حتى يكون لنا الفخر في خدمة هذه الأمة وخدمة خادميها وناصريها لما يحبهالله ويرضاه.
أشكركم على حسن استماعكم. . أللهم اجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه والله ولي التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *