ائت بقرآن غير هذا أو بدله
06/24/2018
244
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

أخبرنا ربنا في سورة يونس عن محاولة الكفار والمشركين مساومة النبي صلى الله عليه وسلم على تبديل وتغيير القرآن الكريم، فقال تعالى: “وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم” (يونس: 15).
والمقصود بتبديل القرآن، كما يقول شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري: “والتبديل الذي سألوه فيما ذكر، أن يحوّل آية الوعيد آية وعد، وآية الوعد وعيدا والحرامَ حلالا والحلال حراما، فأمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يردّ حكمه، ولا يُتَعَقَّب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلّغ ومأمور مُتّبع”.
وذلك أن الكفار والمشركين كان لا يعجبهم ما يرشد له القرآن الكريم من الأمر بالعدل والمساواة والإنصاف وترك الظلم والمحاباة والاقتصار على الحلال وتجنب الحرام والفواحش ولذلك وجدنا سادة قريش الكفار يطلبون أن لا يتساووا بالمجلس مع بقية الناس إذا آمنوا، فأنزل الله تعالى قوله: “ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين” (الأنعام: 52)، ومن قبل استنكر كفار قريش دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم لعبادة الله وحده، وخلد الله عز وجل موقفهم هذا بقوله جل وعلا: “أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب” (ص: 5).
ولما كان لاقتراحهم معنى صريح ، وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات القرآن الموجودِ ، ومعنى التزامي كنائي ، وهو أنه غير منزل من عند الله وأن الذي جاء به غير مرسل من الله ، كان الجواب عن قولهم جوابين ، أحدهما : ما لقنه الله بقوله : { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } وهو جواب عن صريح اقتراحهم ، وثانيهما : ما لَقنه بقوله : { قُل لو شاء الله ما تلوته عليكم } [ يونس : 16 ] وهو جواب عن لازم كلامهم .
وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة : عبد الله بن أمية ، والوليدُ بن المغيرة ، ومكرز بن حفص ، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس ، والعاص بن عامر ، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة الأصنام واللاتتِ والعزى ومناةَ وهُبل ، وليس فيه عَيبها .
وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلاماً جامعاً قضاء لحق الإيجاز البديع ، وتعويلاً على أن السؤال يبين المراد من الجواب ، فأحسوا بامتناع تبديل القرآن من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا جواب كاف ، لأن التبديل يشمل الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه . على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير كلمات منه وأغراض ممتنعاً كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع .
وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو { ما يكون لي أن أبدله } أي ما يكون التبديل مِلكاً بيدي .
و { تِلقاء } صيغة مصدر على وزن التفعال . وقياس وزن التفعال الشائع هو فتح التاء وقد شذ عن ذلك تلقاء ، وتبيان ، وتمثال ، بمعنى اللقاء والبيان والمُثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها ، ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقاً كقوله تعالى : { ولما توجه تلقاء مدين } [ القصص : 22 ]. فمعنى { من تلقاء نفسي } من جهة نفسي .
وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة : { ما يكون لي أن أبدله } وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدَّل من تلقاء الله تعالى التبديلَ الذي يرومونه ، فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف .
وجملة : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } تعليل لجملة : { ما يكون لي أن أبدله } أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير . و { ما } مصدرية . واتباع الوحي : تبليغ الحاصل به ، وهو الموصى به . والاتباع مجاز في عدم التصرف ، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي .
واقتضت ( إنْ ) النافية وأداةُ الاستثناء قصرَ تعلق الاتباع على ما أوحى الله وهو قصر إضافي ، أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتَّبَع شيئاً مخترعاً حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل ، وقرينة كونه إضافياً وقوعه جواباً لرد اقتراحهم .
فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم فقد خرج بالكلام عن مهيعه .
وجملة : { إني أخاف إن عصيت ربي } الخ في موضع التعليل لجملة : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ولذلك فصلت عنها . واقترنت بحرف ( إن )للاهتمام ، و ( إنَّ ) تؤذن بالتعليل .
وقوله : { إن عصيت ربي } ، أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء نفسي .
ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا القرآن وتعويضه بغيره ، وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ممتنع .
وهذا الموقف الرافض للوحي الرباني والمطالب بالتبديل والتغيير ليتوافق مع سلوك الكفار والمشركين المنحرف موقف متكرر من قبل مع الأنبياء، قال تعالى عن قوم شعيب: “قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء” (هود:87)، وقوم لوط رفضوا التزام الطهر والعفاف الذي جاء الوحي به على لوط وأمروا بإخراج لوط وأتباعه “فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون” (النمل: 56).
وهذا الموقف الرافض للوحي الرباني وأحكامه وشرائعه هو نتيجة أن الملأ والنخبة وأتباعهم يكررون عبر التاريخ سبيل قوم هود؛ حيث أخبرنا سبحانه وتعالى عنهم، فقال: “وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى” (فصلت: 17)؛ حيث يتبعون أهواءهم التي فيها اتباع الشهوات والملذات ولو كانت ضارة مهلكة كفعل الفاحشة والزنا رغم ما تجلبه من أمراض كالإيدز وغيره، أو شرب المسكرات والمخدرات رغم ما تتسبب به من وفيات وأمراض وسلوك مشين، أو السرقة والفساد المالي والإداري رغم ما ينتج عن ذلك من فضائح أو محاكمات وعقوبات في الدول التي تتمتع بنزاهة قضائية وقوة قانونية.
وفي حاضرنا المعاصر، نجد جهات كثيرة تطالب بتبديل القرآن وتغييره بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك لأن القرآن الكريم بمفاهيمه وعقائده وأحكامه يقف عائقاً أمام ظلم وطغيان وفساد وفحش الملأ والنخبة واتباعهم في العالم، وهو ما عبر عنه فوكوياما بتناقض الإسلام مع الحداثة!
والإسلام عند فوكوياما ضد الحداثة لأنه يرفض الحرية الأخلاقية المنفلتة من دون ضوابط لما فيها من إشاعة الفواحش واستفحال الأمراض الجنسية وضياع الأنساب وتفكك الأسرة والمجتمعات!! وهذه الممانعة الإسلامية تعرقل عجلة أرباح كثير من صناعة الجنس والكحول والسجائر والموضة والأزياء والمكياج التي يهيمن عليها أولياء ومشغلو الحداثة!
ولما كان القرآن الكريم بمفاهيمه وعقائده وأحكامه وتشريعاته يعد عائقا أمام تدفق أمواج ملايين ومليارات أموال البسطاء والمساكين والسذج والمغفلين على خزائن الملأ والنخبة الأوليغارشية المتحكمة بالمال والسلطة في العالم، فإن مراكز التفكير الاستراتيجي أعلنت الحرب على القرآن الكريم ووضعت لذلك الكثير من الخطط والمؤامرات لمحاصرة نور وهداية القرآن الكريم، بالتضييق على مراكز تحفيظ القرآن الكريم وتحجيم مساحة تعليم القرآن الكريم في المقررات المدرسية بدعوى محاربة الإرهاب والتطرف.
ومن جهة أخرى، دعم ومساندة جهود وأنشطة الشخصيات والرموز العلمانية المعادية للقرآن الكريم رغم كونها غير متخصصة وبعض الشخصيات ذات المنهج المنحرف من التيار الديني لتتصدر المشهد في تبديل أحكام القرآن الكريم وتغييرها، مما يصب في خزائن وجيوب الملأ والنخبة الأوليغارشية، عبر إلهاء الشعوب بالشهوات والملذات وإماتة نور القرآن في القلوب حتى لا تعرف الحق من الباطل.
فالربا والزنا والخمر والفاحشة حلال عبر تحريف تفسير القرآن الكريم على أسس مادية ولغوية مغلوطة ومتناقضة، كما يفعل محمد شحرور من عقود في كتبه ومؤخراً عبر الفضائيات في شهر رمضان شهر القرآن!!
أو عبر ادعاء تاريخية مفاهيم وأحكام القرآن الكريم في زمن نزول القرآن الكريم فقط، وأن الحاضر يحتاج إلى (قراءة) متجددة، والصواب أنها مشتتة لأحكام القرآن الكريم ومفاهيمه.
ولكن، كما فشلت مساومات الكفار والمشركين قديماً وبقي القرآن الكريم بمفاهيمه وأحكامه وعقائده هو المهيمن والمنتصر والذي أشاد حضارة إسلامية عالمية ما نزال نعيش بعض أفيائها، فإن محاولات أعداء الإسلام والقرآن الكريم اليوم إلى بوار “إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون” (الأنفال: 36). يقلم اسامة شحادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *