السلفية والمشهد العالمي
04/29/2018
194
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

قامت السلفية على قاعدة التفاهم والتعاون والانسجام بين السلطتين الروحية والزمنية في بلورة سياسة اجتماعية متماسكة بالنظر إلى ما تمثله من منظومة أخلاقية وروحية تمثل مصدر تربية ذاتية وجماعية لبناء مجتمع متجانس يقوم على العقيدة والقيم والمبادئ والتقاليد.
قد لا يكون كافيًا أن نقول إن السلفية حفظت تراث الأسلاف، وجعلت معاني الدين متاحة في هذا العالم، فالفكر السلفي حاضر في المشهد الثقافي على الخارطة الحديثة للفكر الإسلامي.
ولكن ينبغي أن نضيف إلى ذلك أن الفكر السلفي واجه المشروع الإيراني ولاية الفقيه، وكشف أبعاده وخفاياه، ووقف ضد الزيف الثوري الإيراني منذ بداياته الأولى، وتصدى له فكريًا وعقائديًا ودعويًا، رافضًا النفوذ والتمدد الإيراني.
في الوقت الذي كانت فيه جماعة الإخوان المسلمين تنسج خيوط التواصل مع رموز وأطراف الثورة الإيرانية في محاولة لكسب ود النظام الإيراني، وذلك عندما اجتمعت أمانة سر التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين في سويسرا، وقررت إرسال وفد من قيادات الإخوان إلى إيران للتهنئة بالثورة الإيرانية، وبناء علاقات تقارب مع رموز وفصائل الثورة، في الوقت الذي كانت فيه السلفية تتحرك عالميًا على مختلف الأصعدة لمجابهة المشروع الإيراني وهزيمته.
فالسلفية التي تنبهت لخطورة المشروع الإيراني عالميًا وحاربته وتصدت له بنجاح هي نفسها السلفية التي على أساسها وحد الملك عبدالعزيز الجزيرة العربية تحت قيادة سياسية واحدة، لتفسح المجال لوحدة سياسية أسفرت عن ظهور معنى جديد للوحدة الوطنية، نجم عنه وعي جديد.
فقد قامت السلفية على قاعدة التفاهم والتعاون والانسجام بين السلطتين الروحية والزمنية في بلورة سياسة اجتماعية متماسكة بالنظر إلى ما تمثله من منظومة أخلاقية وروحية تمثل مصدر تربية ذاتية وجماعية لبناء مجتمع متجانس يقوم على العقيدة والقيم والمبادئ والتقاليد.
فالسلفية من حيث البنية الفكرية والعقدية من أكثر التيارات الدينية مرونة، لاسيما إذا علمنا أن السلفية تقوم بشكل أساسي على أصول الدين بعيدًا عن الدخول في الخلافات الفرعية التي يجب أن تخضع للاجتهاد بكل مقوماته.
فإذا كان التيار السلفي في سياقه العام تياراً عقلانياً إذا ما قورن بالتيارات الأخرى؛ إذ المرجعية العقدية لديه توقيفية على الكتاب والسنة، لذا لا غرابة أن نجد كثيرًا من المفكرين المعاصرين لا يرون في السلفية إلا مرحلة أساسية لتقدم الشعوب الإسلامية، ومن هذا السياق كان التوافق على أن الدعوة السلفية كانت أكبر حركة إصلاحية ديناميكية في العالم الإسلامي.
إذاً فحينما تكون السلفية مجرد دعوة دينية، وليس في نشأتها ولا في نيتها أن تكون ممثلة لجماعة بعينها، أو تعبيرًا عن تطلعات طائفية، ولا أن يكون في أهدافها استحداث مذهب جديد، فليس من المبالغة أن تنظر إلى نفسها، وينظر إليها الآخرون باعتبار أنها منهج علمي وعملي شامل ومتكامل تجاه النصوص الشرعية، تمتلك منهجًا فكريًا يرتكز على أساس ديني.
ومن هنا تأتي ميزتها الجوهرية كمنهج في العمل الإسلامي بالدرجة الأساس، وهنا بالضبط تكمن قيمة تراث السلفية بوصفها أحد أهم المصادر الشرعية.
وفي ظل هذا السياق انتشرت العقيدة السلفية في العالم الإسلامي لتوافرها على العقلانية العقدية، وتحرير الإنسان من أوهام الخرافة ومعتقدات الشعوذة.
وهو ما دفع بعض المفكرين أمثال د. محمد عابد الجابري إلى اعتبار العقيدة السلفية بداية التنوير الإسلامي في القرن العشرين؛ بسبب تبنيها مواقف صارمة تجاه الخرافة والأسطورة والشعوذة والاستعمار، والدعوة في كل أنحاء العالم والتي قوبلت لدى غالبية العالم الإسلامي بالترحيب لمسايرتها للعقل.
واليوم تشكل العقيدة السلفية نفوذًا واسعًا وقويًا وذا أثر كبير وفعّال في جميع ميادين الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية والفكرية، مما يستوجب تطوير الفكر السلفي لكي يكون ملائمًا للبيئات الاجتماعية التي يتحرك فيها، وقادرًا على التعايش مع المجتمعات، ومتفاعلًا مع حاجات وأحوال العصر.
وتأسيس منهجية فاعلة تتلاءم مع الحاجات الدينية والدنيوية، تراعي ثوابت الشرع، ومتغيرات العصر، وصياغة واقع فقهي جديد يكون قادرًا على القبول بكل مكونات المجتمع.
وبناء علاقة مع الآخر تقوم على وحدة الأصل البشري والتكريم الإلهي للإنسان، وإعلاء القواسم المشتركة مع الحضارات، وإحياء مبدأ التساكن الاجتماعي مع المجتمعات البشرية.
فالسلفية هي المدرسة التي حافظت على العقيدة والمنهج الإسلامي بعد ظهور الفرق المختلفة طبقاً لفهم الأوائل من الصحابة –رضي الله عنهم .
والسلفية في مدلولها اقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – والذي كانت سيرته العطرة هي المنهج الذي يتطلع إليه سلفنا الصالح وحولوه إلى منهج حياة وهذا المنهج نزل به الأمين جبريل على صدر رسولنا – صلى الله عليه وسلم – من عند الله – تبارك وتعالى – كما قال تعالى :{ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ، وقوله تعالى :{ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلىَّ قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون } .
وقامت الدعوة السلفية على أصلين عظيمين يمثلان دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – والأنبياء من قبل رسولنا – صلى الله عليه وسلم – ، ولذلك فهي أصول معصومة ، لأن أصل الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى .
الأصل الأول : هو توحيد الله – سبحانه وتعالى – توحيداً صافياً من كل شرك ، فالتوحيد هو الأصل الأول ، وأصل الأصول عند السلفيين ، وهو المقدم عندهم ، قال تعالى :{ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } .
والأصل الثاني : الاتباع في العبادات ، فان تحقيق شهادة أن محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهي تعني طاعته فيما أمر ، واجتناب ما نعى عنه وزجر ، وألا يُعبد الله إلا بما شرع على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مع محبته وتوقيره واتباعه والسير على دربه واقتفاء أثره – صلى الله عليه وسلم – ، قال تعالى :{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) .
وأصحاب العقيدة السلفية يلتقون نصوص القرآن وما ثبت في السنة بالتصديق والتسليم، ويقابلونها بالخضوع الحب والتعظيم، لا يفرقون بين متواتر وآحاد، بل جميع ما صح وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيٌ من الله إلى سائر العباد، لا بد لهم أن يصدقوا خبره بشرط اليقين، ولا بد من تنفيذ أمره بكمال الانقياد .
وهؤلاء الأسلاف الذين ينتسب إليهم كل من جاء بعدهم، فلربما سُمي المسلم سلفياً بهذا المعنى : أي أنه يسير على طريقة هؤلاء الأخيار ، كما قال بعضهم لأعملن فيكم بأمر الله وسنة نبيه– صلى الله عليه وسلم – وأتبع سبيل من سلف من خياركم).
فالسلفية إذاً منهج وطريق وسنة، وليست فئة أو جماعة أو حزباً، وقد كانت بعض الصحف والمجلات تجامل على حساب هؤلاء السلفيين ، فكان كل من أراد أن يشتهر أن ينال منصباً أو دنيا ، فقط يشتغل بذم السلفيين والتقليل من شأنهم والنيل منهم، ومن أعراضهم، وهؤلاء ليس لهم بضاعة رائجة إلا الهجوم على هؤلاء او على مظهرهم ورمز عفافهم وطهرهم .
وكان مما يردده هؤلاء المهاجمون أن السلفيين يثيرون الفتنة الطائفية وأثبتت الوقائع والواقع أن السلفيين صمام أمان للأمة ، ففي الدول العربية لم يتعرضوا للنصارى بأدنى نوع من الإيذاء ، بل على العكس فقد كانوا يدافعون عنهم ويحمونهم ويؤمنون كنائسهم وبيوتهم ، كيف لا وهم يعيشون بين المسلمين وفي عهدهم وأمانهم ؟ والمسلمون ليسوا خونة حتى يخونوا الله والرسول ويخونوا أماناتهم وعهودهم ، فلما حدثت أحداث في بعض الدول العربية ، نفخ فيها النافخون ، وأرجف لها المرجفون، فسيسوها ودولوها ، ونسبوها أيضاً للسلفية .
لكن الله من ورائهم محيط ، ، حينما انبرى السلفيون يؤمنون الناس مسلمهم وغير مسلمهم في بيوتهم ودور عبادتهم ، وقد شارك السلفيين في ذلك جميع فئات ذلك الشعب .
إن بضاعة السلفيين ليست إلا ميراثهم من نبيهم – صلى الله عليه وسلم – وميراث نبيهم هو العلم، فإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر .
ثبت عند أبي داود من حديث العرباض بن سارية – صلى الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
قال ابن حبان في صحيحه في قوله – صلى الله عليه وسلم – عليكم بسنتي بيان واضح أن من واظب على السنن ، وقال بها ، ولم يعرج على غيرها من الآراء ، كان من الفرقة الناجية يوم القيامة ، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه .
وفي الصحيحيـن عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال إن خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، قال عمران : فلا أدري أقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً .
إن السلفيين الذين هم أهل السنة والجماعة يطمع الواحد فيهم في شفاعة حبيبهم محمد – صلى الله عليه وسلم – فكيف يتجرأ الواحد منهم على أن يكون النبي – صلى الله عليه وسلم خصمه وحجيجه يوم القيامة ؟ يحاجه ويقيم عليه الحجة أن أثم بظلمه للناس ، يظهر ذلك في حديث صفوان بن سليم الذي يرويه عن ثلاثين من أبناء الصحابة الكرام عن آبنائهم أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال عليه السلام من ظلم معاهداً أو انتقصه ، وكلفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه ، فأنا حجيجه يوم القيامة) .بقلم عبدالله الزازان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *