ألقاب رؤساء الدولة في الاسلام
03/14/2018
322
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

لم يتسم الرسول صلى الله عليه وسلم بلقب يدل على رئاسته للدولة على الرغم من أن وثيقة المدينة توضح وبما لا يدع مجالاً للشك أن رسول الله هو الحكم النهائي بين مختلف الطوائف المكونة للدولة من مسلمين باختلاف قبائلهم وقومياتهم أو يهود باختلاف قبائلهم كذلك . وقد قال صلى الله عليه وسلم لأحد الأعراب الذين جاءوا لمبايعته – وقد ظهر الخوف الشديد عليه _ ” هون عليك فما أنا بملك جبار ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ” .
وكان صلى الله عليه وسلم يحكم الدولة بالشورى مع المسلمين فيما لم يرد فيه الوحي سواء في القرآن أو السنة ،وقد أمره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بمشاورة المسلمين ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) الآية . وقال سبحانه وتعالى في موضع آخر ( لست عليهم بمسيطر ) . ولما انتقل الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم إلى الرفيق الأعلى لم يعين شخصاً محدداً ليخلفه في رئاسة الدولة .ولم يكن هذا نسياناً أو تقصيراً ولكن لحكمة أرادها الشارع سبحانه وتعالى .
وتتجلى هذه الحكمة في تقرير أن رئيس الدولة في الإسلام هو شخص من بين المسلمين لا يتميز عليهم بشيء ولم يختصه الله من بينهم بل هم الذين اختاروه ليحكمهم بموجب الشرع فإن حاد عن الشرع فلا حكم له . إن اختيار رئيس الدولة في الإسلام هو عملية بشرية ( بما لا يتنافى مع الإرادة الإلهية ) وتتم وفق معايير شرعية وسياسية بما يحقق وحدة صف المسلمين وقوتهم. ولو أوصى الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم برئاسة الدولة لأحد من بعده لظن الناس أنه هذا الشخص قد ورث النبوة أو أنه شخص مقدس أو معصوم مثل الأنبياء، ورئيس الدولة في الإسلام هو شخص مثل بقية الأفراد في الأمة بناء على معايير شرعية وسياسية مثلما سبق أن ذكرنا .
وكذلك لو فرض الرسول صلى الله عليه وسلم طريقة محددة لتولي الرئاسة لتناقض هذا مع مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان فالإسلام جاء ليحكم المجتمع القبلي والمجتمع المتحضر والمجتمعات القديمة والوسطى والحديثة، ولكل زمان ومكان أساليبه المناسبة وظروفه التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجعل عملية اختيار الرئيس مفتوحة لكل الظروف على ان يلتزم هذا الرئيس بتطبيق الشرع والعدل والمساواة والشورى .
وقد أجمع المسلمون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على ضرورة تولية خليفة للرسول في رئاسة الدولة الإسلامية . والإجماع كما هو معلوم من المصادر القوية للشريعة الإسلامية بل هو المصدر الثالث بعد القرآن والسنة ويستمد حجيته من قول الرسول عليه الصلاة والسلام ( لا تجتمع أمتي على خطأ ) وقد تسمى أول خليفة للدولة في الإسلام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم باسم (الخليفة ) أو خليفة رسول الله . ثم لما تولى عمر بن الخطاب الخلافة سمي بـ ( خليفة خليفة رسول الله ) ( كررت خليفة مرتين لأنه خلف خليفة الرسول – فرأى عمر- رضي الله عنه – في ذلك مشقة فأمر أن يسمى بأمير المؤمنين . ثم لما تولى عثمان – رضي الله عنه – تسمى بـ ( خليفة رسول الله مباشرة ) . وهكذا ظل الرؤساء يتسمون بهذا الاسم.
وفي العصر العباسي الثاني والذي بدأ حوالي سنة 900 م تفككت الدولة الإسلامية وقام عدد من الأمراء والسلاطين على كل ناحية فيها . إلا أن رؤساء هذه الدولة لم يتسموا بلقب خليفة فظل الخليفة هو الخليفة العباسي في بغداد ورؤساء هذه الدول يتسمون بألقاب مثل أمير أو سلطان. وكان هؤلاء الأمراء والسلاطين هم الحكام الحقيقيون للدول الإسلامية أما الخليفة فأصبح مجرد منصب رمزي يوحي بوحدة دار الإسلام على تعدد الدول فيها.
وبعد الغزو المغولي اضطر الخليفة العباسي لمغادرة بغداد والنزول للعيش في حماية المماليك في القاهرة . ولما انتصر العثمانيون علي المماليك في مرج دابق سنة 1516 اشتروا لقب الخلافة من آخر الخلفاء العباسيين الذي تنازل للسلطان العثماني عن هذا اللقب، وهذا ما زاد الدولة العثمانية مكانة وإعطائها نوعاً من العلو والسمو على بقية الدول الإسلامية فسلطانها هو الخليفة. وظل رؤساء الدول الإسلامية الأخرى يدينون بنوع من الولاء الرمزي للخليفة العثماني.
ولما انهارت الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى على يد أحد ضباط الجيش ويدعى مصطفى كمال الغي منصب الخلافة ثم دخل مسمى جديد ولقب جديد على الدولة الإسلامية وهو لقب ملك فتسمى خديوي مصر بلقب ملك، كما تسمى الشريف حسين في مكة بهذا اللقب . ولما دخل السلطان عبد العزيز آل سعود مكة المكرمة بايعه أهلها ملكاً على الحجاز وقد ذكر بعض المؤرخين كراهية الملك عبد العزيز لهذا اللقب وبالذات لفظ صاحب الجلالة المرافق له. ولكن كان من الضروري أن يتسمى بهذا اللقب حتى لا تكون الدولة السعودية أقل مكانة من الدول الإسلامية الأخرى. فلقب أمير أو سلطان قد يبدو أقل مكانة في التاريخ الحديث من لقب ملك.
ثم وفي سنة 1407هـ أعلن الملك فهد بن عبد العزيز تخليه عن لفظ صاحب الجلالة المتعارف عليه دولياً على مرافقته للقب ملك والاستعاضة عنه بخادم الحرمين الشريفين لتبيان تفرد هذه الدولة وتميزها عن بقية الدول الإسلامية ودول العالم بخدمة الحرمين وخدمة الإسلام والمسلمين. واستمر هذا اللقب المميز لملوك المملكة عبدالله رحمه الله وسلمان حفظه الله وهو شرف ومسؤولية امام الله جل وعلا وامام الناس والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *