العبث السياسي في القدس ومستقبل التعايش
12/11/2017
221
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

الاحتلال لا يرتّب أي شرعيّة مهما طالت سنواته حتى لو صارت قروناً، احتلالات العالم زالت كلها رغم استمرارها حقباً زمنيّة طويلة وكأنها لم تكن، وكل الإجراءات التي يتخذها أي احتلال على الأرض ومهما غيّر في ديموجرافية المناطق المحتلة فإنها تظلّ انتهاكات مجرمة لا يُعتدّ بها، وهذا هو وضع القدس، والتهويد الجاري فيها على قدمٍ وساقٍ، والاعتراف الأمريكي الرسمي بها عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة إليها، لن يلغي حقيقة تاريخيّة دامغة أنها مدينة فلسطينيّة عربيّة إسلاميّة مسيحيّة، وأنها عاصمة الدولة الفلسطينيّة حتى لو لم تقم هذه الدولة في أمد قريب، بل نذهب بعيداً ونقول إن فلسطين كلها تبقى فلسطينيّة عربيّة، ولو في الذاكرة وكتب التاريخ والوجدان المعنويّ والخطاب السياسيّ عند أبنائها وعند الشعوب العربيّة.
إذاً وجود إسرائيل ككيان وتعزيز هذا الكيان بكل عوامل القوة والبقاء لا يُكسبه حقاً نهائياً في الأرض التي احتلها، ولو ظلّ هذا الكيان قائماً لعقود أو قرون أخرى قادمة فإن وجوده سيظلّ مهدداً، وشرعيته ستبقى بلا قواعد ثابتة مستقرّة، ومحيط البشر الذي يقع فيه هذا الكيان سيظلّ نافراً منه رافضاً له جيلاً بعد جيل، وهذه عقوبة معنويّة وأدبيّة لا تسقط بالتقادم، وقبول لن يتحقق أبداً مهما هرول المطبّعون الخانعون طلباً لرضا تل أبيب وواشنطن عنهم.
قرار ترامب ليس شجاعاً، بل متهوراً أحمقَ يدمغ السياسة الخارجيّة لأمريكا بمزيد من الانحياز لإسرائيل، وفقدان العدالة في التعامل مع الحقوق الفلسطينيّة، والإغراق في الإهانة للعرب والمسلمين، ومنهم حلفاء كثيرون مُخلصون لأمريكا، وهي لا تبادلهم نفس الإخلاص، هذا القرار المتسرّع لا يساعد في استئناف السلام الذي يقتله الليكوديون المتطرّفون، بل يعقّد الأوضاع أكثر، ويكشف مجدداً عن أن التطرّف في إسرائيل وأمريكا ليس مع سلامٍ عادلٍ، بل مع إذعانٍ كاملٍ بالقوة الغاشمة.
القرار الجريمة يدفع الأراضي المحتلة والعالم العربي والإسلامي إلى مزيد من التوترات، وفقدان الثقة في أمريكا، واعتبارها خَصماً يمارس العدوان عليهم، والخاسر حتماً إسرائيل لأنها ستظلّ منبوذة، وسيكون وجودها محاصراً دوماً في بحر من الرفض والكراهية لسلوكياتها الإجراميّة، ولن يجرؤ الراغبون في التطبيع إظهاره للعلن،

بينما يعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيدخل التاريخ من بابه الواسع لأنه قام بتوقيع قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والشعب اليهودي، وتباهى بذلك في تغريدة على تويتر أنه وفى بوعده بينما لم يفعل ذلك سواه من رؤساء الولايات المتحدة الأميركية. إنه “الدونالد” الذي يغرد خارج سربه ويقف وحيدا في وجه العالم ويضع هيبة ومصداقية واشنطن على المحك. ومن الواضح أن الدوافع الشخصية والمتصلة بالسياسة الداخلية أملت اتخاذ هذا القرار في هذا التوقيت من دون التمعن في التبعات وخاصة بالنسبة لعملية السلام المترنحة في الأساس، أو لجهة استفادة إيران من هذه “الهدية” في هذه اللحظة الإقليمية الحرجة، أو لانعكاس ذلك على حلفاء واشنطن والاستهتار بإمكانية اندلاع شرارة القدس في قلب الشرق الأوسط الملتهب.
وأراد من خلاله ترامب تدعيم وضعه الداخلي والقول أنه الوحيد الذي ينفذ وعوده الانتخابية والتوجه لاسترضاء وإرضاء قاعدته الانتخابية وفي المقام الأول منها المسيحيين الإنجيليين الذين لا يخفون استعجالهم تطبيق “الوعد الإلهي” بعودة السد المسيح، ويصل الأمر بثمانين بالمئة منهم (حسب استطلاع المركز الأميركي للحياة الدينية في 2014) للاعتقاد بأن إسرائيل “هدية من الرب للشعب اليهودي”، وأن ارتباط الولايات المتحدة يتوجب أن يكون عضوياً معها ويتصل بالهوية والانتماء.
وقالت الكاتبة الأمريكية والباحثة في الشؤون الدينية، ديانا باس، إن الكثير من الإنجيليين المؤيدين للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يعتبرون الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قضية أبعد بكثير من السياسة أو الدبلوماسية، بل هي تصب مباشرة في صميم عقائدهم ونظرتهم إلى اقتراب “يوم القيامة” وعودة المسيح الثانية.
وتقول الكاتبة إنها عندما سمعت بقرار ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل لم تفكر إلا بأمر واحد، وهو دراستها للكتاب المقدس خلال فترة وجودها في المدرسة الثانوية، مضيفة أن التعبير الأول الذي يتوارد إلى الذهن مع الإعلام هو “القدس؟ لا بد أن نهاية الزمان قد اقتربت!”
وتضيف باس أنها كانت قد درست الكتاب المقدس في العقد السابع من القرن الماضي بشكل مكثّف خلال شبابها مضيفة “بالنسبة لنا لم يكن الكتاب المقدس مجرد نص ديني، بل كان الخطة الإلهية الموضوعة للتاريخ برمته، وعرفنا عبره كيف تصرّف الله في الماضي وكيف سيتصرف في المستقبل.”
وتلفت باس إلى محورية مدينة القدس في الكتاب المقدس باعتبارها موطن إبراهيم وداود بالنسبة لليهود، ومكان صلب وقيامة المسيح بالنسبة للمسيحيين، كما أنها المدينة التي “سيعود المسيح إليها ليحكمها كملك” مضيفة: “كنا نتطلع نحو تحقّق هذا وصليّنا كي نصل إلى هذه الخاتمة”. ولفتت إلى أن النظرة نحو القدس كانت تقوم على أن تمدد إسرائيل هو إرادة إلهية وإشارة لاقتراب نهاية الزمن.
وتابعت الكاتبة بالقول: “بالنسبة للكثير من الإنجيليين المحافظين، فإن القدس ليست مرتبطة بالسياسة ولا بخطط السلام ولا بالفلسطينيين وحل الدولتين، وإنما تنبع أهميتها من ارتباطها بالنبوءة، النبوءة في الكتاب المقدس وحلول نهاية الزمن” مستذكرة ما كان يرويه القس الذي يعلمها الكتاب المقدس حول معركة “أرمجدون” التي ستحصل قبل يوم القيامة وتكون المعركة الأخيرة التي تخوضها البشرية وستقود اليهود لإعادة الاعتراف بالمسيح على أنه مخلّصهم.
وتحدثت بايس عن أفكار منتشرة بين الإنجيليين حول التحضير للفترة التي تسبق عودة المسيح، مضيفة أن تلك الأفكار مؤثرة في محيط داعمي ترامب الذي حصل على أصوات 81 في المائة من الناخبين الإنجيليين البيض بأمريكا، مضيفة أن بعض كبار القساوسة الذين تربطهم علاقات قوية بترامب عبروا عن رضاهم عن الخطوة بالقول إنها تمثل ركنا أساسيا في تحقيق النبوءات.
وتابعت الكاتبة بالقول إن ترامب يريد من خلال الاعتراف بالقدس لإسرائيل تذكير ناخبيه من الإنجيليين أنه “رجل الله الذي يساهم في دفع التاريخ – كما يراه الكتاب المقدس – قدما ويساهم في حلول نهاية التاريخ.” وختمت بالقول: “ربما لا يؤمن الرئيس ترامب بهذا، لكن الملايين يؤمنون به، وهذا أمر مهم، ليس للسياسة الأمريكية فحسب بل وللسلام في القدس، وكذلك لسلامنا جميعا.”

.
بيد أنه يتوجب التذكير والتركيز على أن القرار حول القدس لا يشكل استثناء حيث سبقته قرارات مماثلة في العزف المنفرد لترامب، وأبرزها التخلي عن اتفاقيات المناخ والتجارة حول المحيط الهادي، والانسحاب من اليونسكو والتشدد بشـأن الاتفـاق النووي مع إيران وداخل منظمة التجارة الدولية.
من خلال هذا النهج وبناء على خطابه الهجومي ضد الدبلوماسية المتعددة الأطراف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، يتضح أن دونالد ترامب ينفذ انقلابا على “نظام العلاقات الدولية” الذي أرسته وقادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويعني ذلك أن الدبلوماسية بمعناها الواسع والقانون الدولي لا يعدان من مفردات السياسة الخارجية الترامبية.
أن القرار الأحادي حول القدس يمكن أن يصنف في نفس خانة وعد بلفور منذ قرن، خاصة بالنسبة لتداعياته التلقائية لناحية إعلاء البعد الديني في النزاعات وترك “صراع الاديان مهيمناً على منطقة منكوبة بنزاعاتها ومشتعلة بامتياز، إذ لا يمكن لأي مراقب إلا أن يستغرب أن يأتي هذا القرار بعد إنهاء وجود تنظيم داعش في معاقله الأساسية، وما يمكن لهذا الاعتراف فعله من منح مبررات لدعاة الفكر الجهادي وأرباب الإرهاب لتبرير أيديولوجيتهم جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *