المرجعيات الدينية وسلوك الشباب
07/31/2017
290
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

لاشك أن من أهم المحفزات المؤثرة في التحولات التي تطرأ على ممارسات وسلوكيات الشباب، بما قد يجعلهم عرضة للتأثر أفكار الإرهابيين أو الحركات الدينية التي تتبنى خيار العنف وتنفيذ الاعتداءات الإجرامية، هو محفز المرجعية الدينية المؤثرة في سلوك هذا الشباب، حيث إن الشباب الذي كان يبحث سابقاً عن المعلومة الدينية، أصبحت اليوم تأتي إليه طوعاً، عبر بعض القنوات الإعلامية المنخرطة في إثارة الخطاب الديني بشكل لا يخضع لضابط ولا يقف عند حدّ، ولا يأخذ بمنهاج واضح، حتى أصبحت بعض هذه القنوات لسان حال تلك الجماعات وزعمائها لنشر خطابها المتطرف، بل وخططها لزعزعة أمن المجتمعات والناس.

والواقع أن الأمر لا يتعلق فقط بالقنوات الإعلامية والفضائيات الدينية الناطقة باللغة العربية، التي تخطى عددها الـ 200 قناة: السنية: أكثر من 60 قناة، أو الشيعية: أكثر من 155 بعضها يبث عن طريق القمر الإسرائيلي «آل البيت، الأنوار، فدك، الحسين، العالمية، الغدير»، حيث تبث جميعاً من القمر الإسرائيلي «أموس»، عبر شركة «أر. أر. سات». وإنما يتعلق الأمر أيضاً بالعديد من المواقع الإلكترونية التي يصعب حصرها حتى على المؤسسات البحثية أو الأجهزة الأمنية، وهناك أبحاث حديثة الإصدار تؤكد في خلاصاتها التأثير الواضح للمواقع الإلكترونية، وتوظيفها في استقطاب بعض الشباب لتنفيذ اعتداءات إرهابية.

وهناك إجماع من طرف الباحثين على أنه في أغلب الدول العربية والإسلامية، نجد أن للدولة والمجتمع ومؤسسات البلد مرجعية واحدة، وهي الإسلام كمصدر أساسي للتشريع، والمذهب الواحد لممارسة الشعائر التعبدية، وربما أن الإسلام الذي تتبناه الدولة غير محدد بقوانين واضحة في كل شأن، ولكن مع ذلك فالإسلام، يبقى بشكل أو بآخر، موجوداً في البيت وفي المدرسة وفي حياة الناس وجوداً تلقائياً وأحياناً حتى في اللاوعي. والمتطرف عندما يتطرف لا يبدأ من الصفر في تعلم الإسلام، لأن الدولة من خلال المدرسة والمسجد علمته مبادئه، وإنما يبدأ من قراءة جديدة منحرفة في تفسير الإسلام، مناهضة ومعادية لما يسمّى القراءة الرسمية. ولأنه يبحث عن قراءة مغايرة، يبحث هذا الشاب عن «هوية ثالثة» قد يجدها في إسلام بعض المساجد التي يديرها أئمة مشهورون، أو إسلام بعض المواقع على الإنترنت، وقد يصبح هذا الإمام أو هذا الموقع هو المرجعية الجديدة لهذا الشاب في تعلم الإسلام، بما في ذلك أبجدياته. وأخطر ما في هذا المصدر للمرجعية الجديدة أنه «مريح» وبسيط بشكل سطحي لأنه يقسّم كل شيء إلى ثنائيات متضادة، إلى أبيض وأسود، والعالم المعقد إلى «دار إسلام» و«دار كفر»، والناس إلى مسلم و«كافر»، ويختزل التاريخ في غزوات وحروب وفتوحات و«جهاد» بالمعنى العسكري، أي أنه يوفر قراءة جديدة، ويسبغ معنى تسطيحياً لجميع الظواهر المعقدة!

إننا نرى أن أولى الخطوات التي من الضروري الانتباه لها في معرض الاشتغال على معالجة أسباب الإرهاب والتطرف والعنف والغلو الديني في صفوف الشباب في عالمنا المعاصر، هو الانتباه لدور المرجعيات الدينية، وطبيعة خطابها ومدى تأثيرها، والتفريق بين المرجعيات الإسلامية المعتدلة، والمرجعيات الإسلامية المتشددة، مع وضع ضوابط وحدود وفوارق فاصلة بين الخطابين، حتى يكون الجميع على بيّنة، سواء كنا نتحدث عن الدولة أو عن المؤسسات الإسلامية أو عن الكتاب والباحثين في الحقل الديني، أو عن الدور المنوط برجال التربية والتعليم. وإن إعداد منهج إسلامي نستطيع من خلاله حماية شريحة الشباب والأطفال من التشدد، يمر عبر التربية، والتربية تعني التنمية، والتأديب يعني الترشيد، واستئناساً بألفاظ الأثر الشريف فكل مولود يولد على فطرة الخير، على التيسير والتوسط والاعتدال، ليس فيه تشدد أو تطرف، ثم أبواه «يشددانه» أو «يطرفانه»، لأنه يولد بصفات كلها خير تعينه على الانتفاع بالحياة هو ومن حوله والسعادة فيها، كصفات المحبة والتعاون والتراحم والتسامح والتشاور ونحوها، ثم على البيت والمجتمع تنميتها. فالحب الفطري ينمو ثم يزداد أكثر فأكثر باستخدامه عند التعامل مع الجيران والأقارب والزملاء والأصحاب. وصفة التشاور تنمو بالحوار المنزلي ثم المدرسي ثم الجامعي ثم العملي في الحياة العملية، والتكامل ينمو بالتعاون، والتراحم ينمو بالتكافل، والتيسير ينمو بالرفق، والتوازن ينمو بالاعتدال.

 

دور الأبحاث في التصدي للتشدد

ان الدراسات والأبحاث التي تصدر عن مراكز البحث الاستراتيجي بالغرب، لها مفعول أهم من السياسات الرسمية؛ لأنها تؤطرها وتؤثر عليها، ولا يمر يوم أو أسبوع دون صدور مقالات صحفية وأبحاث من هذه العينة، ونقتبس منها النموذج التالي الذي حرره الكاتب الأميركي «دانيل بايبس»، حيث أشار في إحدى مقالاته إلى أن «أكثر صور مكافحة الإرهاب فعالية وكفاءة لا تقاتل الإرهابيين، وإنما تقاتل الأفكار التي تحرضهم، وتتضمن هذه الاستراتيجية خطوتين أساسيتين: الأولى هزيمة الحركة الإسلامية المتطرفة بنفس الطريقة التي تمت بها هزيمة الحركة الفاشية والحركة الشيوعية، على كل مستوى وبكل طريقة، وباستخدام كل الهيئات والمؤسسات العامة والخاصة. ويقع عبء القيام بهذه المهمة أساساً على غير المسلمين، فالمجتمعات المسلمة إما هي عاجزة وغير قادرة، أو هي غير راغبة في ذلك، وفي المقابل، فإن المسلمين وحدهم هم القادرون على إنجاز الخطوة الثانية، وهي صياغة ونشر صورة للإسلام تتصف بالحداثة والاعتدال والديمقراطية والحرية  والإنسانية وتقبل الآخر واحترام المرأة. هنا يستطيع غير المسلمين المساعدة، وذلك بعزل الإسلاميين المتطرفين وعدم التعامل معهم ومقاطعتهم وتأييد المسلمين المعتدلين.

إن إصرار بعض السياسات الغربية المتطرفة وبعض الدراسات البحثية الشاذة في الغرب عموماً على عدم إنصاف القضايا العربية والإسلامية المصيرية، يساهم بشكل مباشر في إعاقة المشاريع الكبرى والضخمة التي تقوم بها أغلب الدول العربية والإسلامية من أجل مواجهة الخطر الإرهابي وطرق توظيف واستغلال الشباب في شبكات التطرف والعنف والإرهاب. إنه بخلاف تعامل الدول الغربية مع قضاياها الاستراتيجية، من خلال فتح المجال لهذه المؤسسات البحثية ومراكز الدراسات والأبحاث لتنوير الطريق أمام صناع القرار في التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية، أنه من الغريب أن تكون الدول العربية والإسلامية ضحية للأعمال الإرهابية، ولا تضم ما يكفي من مراكز بحثية أو مراصد متميزة ومتخصصة في متابعة ورصد واستشراف آفاق الظاهرة الأصولية الإرهابية، فقد تعرضت أغلب الدول العربية من الخليج إلى المحيط، من السعودية إلى موريتانيا، إلى تفجيرات إرهابية، وبالرغم من ذلك، لا زالت النخب الفكرية والإعلامية مترددة في تأسيس مراكز متخصصة لمتابعة الظاهرة، ولو قمنا بمقارنة سريعة مع الأوضاع في الولايات المتحدة الأميركية، لوجدنا أن الإحصاءات تتحدث عن وجود ما لا يقل عن أربعة آلاف معهد ومرصد تعنى بمتابعة أهم القضايا الاستراتيجية للإدارة الأميركية، وعلى الرغم من الصعوبة التي قد تصادف الباحث في التمييز بين ما تقوم به هذه المؤسسات الخبيرة وجماعات الضغط (اللوبيات)، فإنهما يشتركان معاً في لعب دور كبير وقوي في إعداد الاستراتيجيات وتوجيه السياسة الخارجية واستشراف المستقبل واستشعار الأخطار أو الصعوبات التي قد تصادف مسيرة الولايات المتحدة الأميركية. فإلى متى تبقى دولنا مقصرة في خلق فضاءات للتفكير، وإدراج علم المستقبليات في سياساتها التعليمية أو البحثية؟ بقلم محمد البشاري امين المؤتمر الاسلامي الاوربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *