حقوق الانسان من الفرد الى الاسرة
04/24/2017
333
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

مفهوم “حقوق الإنسان”، كثيرون يعتقدون أنه من المفاهيم الكونية التي تحظى بإجماع واتفاق حول طبيعة المفهوم وحدوده، في الوقت الذي يثبت النظر الفاحص أن العالم غير متفق بخصوصه لأن رسمه داخل فيما يسميه الدكتور المسيري بالنموذج الإدراكي المتحيز، وفي خلط عجيب مريب بين الحاجات والحقوق ينطلق إشكال المفهوم، فالشعوب والمجتمعات تختلف اختلافا كبيرا حول ما تعتبره من ”حقوق الإنسان” وما لا تعتبره كذلك. والسبب راجع إلى النموذج المعرفي لكل مجتمع، وهي بنية تصورية يجردها العقل البشري من كم هائل من العلاقات والتفاصيل والوقائع والأحداث، فيستبعد بعضها لعدم دلالتها عنده، ويستبقي الآخر، ثم يرتبها ترتيبا خاصا وينسقها تنسيقا خاصا بحيث تصبح مترابطة من وجهة نظره بشكل يماثل العلاقات الموجودة بالفعل بين عناصر الواقع، وعملية التجريد هذه يمكن أن تتم بشكل غير واع إلى أن تأخذ شكل خريطة إدراكية يستنبطها الإنسان تماما ويحملها في عقله ووجدانه فتحدد طريقة ومجال إدراكه للواقع الخام المحيط به، فيقوم بتهميش بعض التفاصيل وتأكيد البعض الآخر بحيث يراها هامة ومركزية، ومن هنا تبدأ التحيزات الكامنة.
فإذا كان من الممكن أن نتفق جميعا حول ما يمكن أن نعده حاجات إنسانية، فإننا لا نتوقع أن تعترف كل المجتمعات على مر العصور ومع اختلاف ظروفها الجغرافية والتاريخية والاقتصادية، ومع اختلاف درجة نموها الاقتصادي وتطورها الاجتماعي والخلقي، ومع اختلاف ما تدين به من أديان ومذاهب، بالحقوق نفسها لأفرادها، وأن تشترك في ما تعتبره من حقوق الإنسان وما لا تعتبره كذلك، فما هو من حقوق الإنسان عند المسلم لا يمكن أن يكون مطابقا تماما لما يعتبره المسيحي أو البوذي من حقوق الإنسان.
إننا إزاء حالة من حالات إمبريالية المقولات التي تسعى من خلالها الدول الغربية تحديدا _كما يقرر المفكر جلال أمين_ “أن تفرض مفهومها الخاص لحقوق الإنسان على بقية خلق الله، وكأن إفرازات ثقافتها الخاصة هي التعبير الأسمى عن حكمة الإنسان وتحضره وعقلانيته”.
في كتابه “دفاع عن الإنسان” يشكك الدكتور المسيري في مصداقية شعار ”إعلان حقوق الإنسان”، ليس من منطلق معاداة هذه الحقوق، وإنما لإدراكه بأنها قاصرة إلى حد ما، ولأن هذا الإعلان جعل الفرد المنعزل البسيط(الإنسان الطبيعي البرجوازي) نقطة البدء والانطلاق، وقد اقترح في المقابل ”إعلان حقوق الأسرة” (الأسرة بحسبانها وحدة اجتماعية أساسية مركبة)، ولعل الحقائق الخاصة بالأطفال غير الشرعيين بعد الثورة الفرنسية(وفي أوربا منذ ذلك التاريخ، وفي كل العالم بعد ذلك) قد تعطي شيئا من الترجيح لهذا المفهوم البديل، فمن الواضح أن حقوق الإنسان لا تتضمن الأطفال الذين لم يولدوا بعد !
والأطفال غير الشرعيين هم نتاج ذكر وأنثى استمتعا بـ”حقوق الإنسان الفرد” وحرياته كما حددها الغرب في لحظات لم يفكرا في أثنائها في حقوق الأطفال. ولا يمكن أن نصدر إعلان حقوق الإنسان ثم نحاول الآن إصدار إعلان تكميلي بحقوق المرأة ثم نصدر إعلانا ثالثا لحقوق الأطفال وهكذا، إن هذه العملية تبدو عند الدكتور المسيري غير عقلانية بالمرة لأنها أهملت في البداية الوحدة التحليلية الاجتماعية الحقيقية الواحدة، وهي أن الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا ينتمي إلى أسرة ومجتمع، وأحلت محله الإنسان بوصفه ذرة منعزلة، كائنا مكتفيا بذاته.
من خلال هذا المنظور يتبين بجلاء أن التعاطي العلمي والمنطقي ، بل والإنساني يقتضي نقد منظومة الأفكار التي تصدرها دوائر السلطة والقوة والصراع في العالم لباقي الدول، وهذا النقد جدير بان يتوجه بكل أشكال التعرية لشعارات هذه المنظومة لأنها من دون شك لا تنفك عن الرغبة الصريحة والمضمرة في تثبيت السيطرة على باقي دول العالم من خلال الطوفان الإعلامي والآلة التسويقية للمتحكمين في القدرة والإرادة والفعل.
إن تأملا عميقا في مجريات الرسائل التي تقصفنا بها من غير توقف الآلة الإعلامية الهيمنية الغربية في موضوع حقوق الإنسان وقدسيتها المبالغة في عالمنا المعاصر تجعلنا نرتاب في صدقية هذه الرسائل، ونشكك في جديتها مع ما نراه يوميا من تحامل عالمي على قضايا العالم العربي والإسلامي، ومع ما نراه من مساندة عمياء للصلف الإسرائيلي على حساب قضية شعبنا في فلسطين، فأين حقوق الإنسان مما يجري في هذه البقعة المنسية من العالم، وأين هي حظوظ الإنسان الفلسطيني صاحب الحق من حقه في أرضه وحقه في الأمن وحقه في السكن وحقه في السفر وسائر حقوقه، أين هي منظومة حقوق الإنسان العالمية من حق الفلسطيني في العودة ليعيش فوق أرضه وتحت سمائه.
إن تجاوز هذا المنظور الضيق من التركيز على حقوق الإنسان الفرد كما تطرحه المنظومة الرسمية العالمية وتقديم تصور متحيز مختلف مبني على تفكيك النموذج الإدراكي الأول قمين بأن يضع الآخر أمام امتحان المقاصد الحقيقية من جوقته التي يريد لها أن تستنبت في كل أرض باعتبار كونيتها مع ما رأيناه من عظيم نسبيتها ومحدودية أدائها ومردوديتها.
إن تركيزنا على حقوق الأسرة هو النموذج التحليلي البديل الذي يكشف الحرص الإنساني على مفهوم التراحم الجماعي أو مجتمع التراحم وقيم التعاون والتساند بديلا عن النموذج المادي القائم على وحدانية الفرد وتأليه الفرد وعبادة الفرد، وهي كلها نماذج لا تنتج سوى صقيع في العلاقات الإنسانية وتفكك شعوري وحالة من الاغتراب النفسي لإغراقها في حب اللذة الأنانية وتقديمها على المصالح الجمعية .
فحقوق الإنسان بالمنظور الفردي الواحدي مع ما حققته بالأرقام من حد للشطط في استعمال السلطة في بعض المجتمعات وامتثال للقانون فقد رفعت بالمقابل معدلات الانتحار وقضت مع الوقت على رصيد كبير من الاحترام للآخر ولميولاته واختياراته وآرائه ومعتقداته، لأنك لا تستطيع أن تفصل واقع تأثير حقوق الإنسان عن حالة التنزي والشراسة المفارقة التي تصاحب ممارسة الحرية بدون قيود وبدون ضوابط وبدون اخلاقيات. بقلم د ادريس مقبول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *