الفلسفة والنظرية والايدلوجية
04/20/2017
315
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

واحد من اصعب الامور في العلوم الاجتماعية محاولة ايجاد تعريفات محدودة لكثير من المصطلحات . فتعريف المصطلحات الاجتماعية في الغالب ينشئ ويتأثر بالبيئة والثقافة المحيطة به . فخذ على سبيل المثال لفظ متسخ فوصف منزل او ثوب بانه متسخ يختلف من مجتمع الى مجتمع ومن فئة داخل المجتمع الى فئة اخرى داخل المجتمع نفسه ، ثم الى اي حد من تزايد الوسخ ثم نبدأ نطلق لفظ “قذر” ايضاً هذا يختلف من مجتمع الى مجتمع ومن فئة الى فئة بل ومن شخص الى آخر . وبعيداً عن الوسخ والقذارة وهي مصطلحات تهم مصانع المنظفات بالدرجة الاولى نعود الى موضوع التعاريف وايجاد حدود معينة لكل تعريف يبدأ بعدها تعريف آخر ، وهذه معضلة تواجه علماء العلوم الاجتماعية عامة . وفي علم السياسة لا زال الباحثين في هذا العلم بعيدين عن التوصل الى تعريفات دقيقة لكثير من المصطلحات فخذ على سبيل المثال تعريف الفلسفة والنظرية والايدلوجية وحدود كل منها وعلاقتها ببعضها البعض . ويبدو هذا موضوعاً تخصصياً اكثر منه عاماً ولكن لعل في طرحه بشكل مبسط شيئاً من الفائدة والمتعة الذهنية . وما سنحاوله هنا هو محاولة تمييز كل مها عن الآخر وتوضيح متى تختلف ومتى تشترك ولعل هذا يكون اجدى من محاولة الوصول الى تعاريف نظرية صعبة الفهم . ومثل الكثير من الكتاب سنستخدم اسلوب الامثولة والتشبيه لتوضيح معاني وحدود المصطلحات الثلاثة .
من الممكن تشبيه حياه الناس بجمع غفير من البشر في مهرجان ضخم يضم الكثير من الالعاب فالبعض اتى الى المهرجان من اجل المشاركة والبعض الآخر جاء من اجل المشاهدة . ان صانع النظرية هو الذي يرافق الالعاب ويحاول ان يفهم ويشرح ما يحدث فهو يحاول ان يجد انماط وروابط مشتركة ويحاول ان يحدد القواعد الظاهرة والضمنية او الخفية لما يحدث ، اما الفيلسوف فهو مثل المنظر يحاول ان يفهم ويشرح ولكن بشكل مختلف ، فهو يحاول ان يربط اللعبة كجزء بكيان ذهني متكامل فهو يراقب بطريقة اكثر تجريدية واكثر شمولية وعمومية . انه يبحث عن مفهوم ذهني بشكل او بآخر متماسك وواحد وعام يربط كل اجزاء المهرجان مع بعضها البعض بل ويشرح مغازي ومعاني كلية اكبر من المهرجان بكثير تتعلق بالوجود والعدم . ان الفيلسوف يحاول ان يبحث فيما وراء الظواهر الى شيء اكثر عمق واكثر بناء وخلود مما يمكن ادراكه في الوهلة الاولى . فالفيلسوف لا يحاول فقط ان يشرح اداء اللاعبين في الميدان بل وكذلك المشاهدين والمكان والزمان كاجزاء من كل واحد . اما الايدلوجية فهي الادوات التي يستخدمها اللاعبون . فاللاعبون يحتاجون الى خطة للعب لا الى نظرية او فلسفة فليس عندهم الوقت لمحاولة فهم ما يحدث بل التفاعل معه والايدلوجية هي التي توفر له مرشد للتفاعل . الايدلوجية بحد ذاتها قد تكون مستمدة من فلسفة ومن نظرية لكن اللاعب ليس عنده الوقت ولا القدرة للتفلسف والتنظير فهناك عمل لابد ان يقوم به .
لكن الخط الفاصل بين الفلسفة والتنظير يشوبه الكثير من الضبابية والتداخل لان الكثير من المفكرين ربط بينهما ، لكن كل مفكر مال الى احدهما بشكل اكبر وقام احد الباحثين الامريكيين في الفكر السياسي بتصنيف كبار المفكرين من خلال تبيان موقعهم على خط على احدى طرفيه الفلسفة الصافية وعلى الطرف الاخر النظرية الصافية ومثل هذا العمل سيساعد على توضيح نقاط الاختلاف والتداخل بين المفهومين . ففي قرب طرف النظرية من الخط نضع مفكرين مثل الايطالي مكيافللي والفرنسي توكفيل هذين المفكرين درسا المجتمع بطريقة منظمة وعمومية واستخدموا نتائجهم من سوابق تاريخية وتحليل نفسي واجتماعي وكان تركيزهم محدوداً على حالات سياسية واقعية ولم يحاولا وضع نظرياتهم في اطار ذهني اوسع .
وبعدهما يأتي مفكرين مثل الفرنسي مونتسكيو والانجليزي جون لوك وهنا نلاحظ بعض التوجه نحو الفلسفة ونلاحظ هذا من خلال استخدامهما لمفهوم القانون الطبيعي المجرد وبالتالي وضع السياسة في منظور كوني كجزء من بناء هرمي منظم . ولكنهما ظلا مهتمين اكثر بالسياسة بمعناها الواقعي والمحدد فلم يحاولا التوسع في الكتابة من منظور كوني .
ونتجة اكثر نحو الفلسفة لنجد مفكرين عظام مثل ارسطو وهوبز . ارسطو كان بارعاً في كلا الحرفتين وقد قام جورج سباين صاحب كتاب تطور الفكر السياسي بتقسيم دراسته لارسطو الى فصلين واحد عن المثل السياسية والثاني عن الوقائع السياسية وقد استطاع ارسطو ببراعة ربطهما . ان رؤية ارسطو السياسية تجعله احد كبار الفلاسفة السياسيين ولكنه ايضاً ساهم كثيراً في بناء النظرية السياسية من خلال تحليله لكيفية تأثر السلوك السياسي وكيفية تحقيق الاستقرار وعوامل التغير ودوافعه . اما تحليل هوبز فكان تجريدياً للغاية وكان باستمرار يربط مقولاته السياسية بنظرية الفلسفية الشاملة ولكنه ايضاً قدم تحليلاً نفسياً رائعاً للسلوك السياسي للأفراد .
وقريباً من الفلسفة الخالصة نجد افلاطون وهيغل . هذين المفكرين احتوت اعمالهما على نظريات سياسية هامة اي ان لديهما مقولات هامة تشرح الظواهر السياسية ولكن الجزء الاكبر من اعمالهما كان مهتماً بالسياسة بمعناها الواسع كما ارادا ان تكون جزءاً من نظرية كونية متماسكة . لقد كانت اعمالهما تجريدية للغاية لقد بحثوا عن اشياء وراء الظواهر والانشطة السياسية ، بحثوا عن شيء اعمق وابقى . لقد ارادوا اكتشاف مبدأ اساسي عام تتمحور حوله الاشياء ويجعلها ذات معنى اعمق .
اما الايدلوجية فهي خطة عمل سياسي لتحقيق اهداف معينة قد تستمد من فلسفة سياسية او من نظرية سياسية او من خليط بينهما معاً . وكل اللاعبين في المجال السياسي بما فيهم المنظر والفيلسوف لديهم ايدلوجيات . وهذا يجعلنا نقلب المقولة لنبحث عن تأثير الايدلوجية على الفلسفة والنظرية وهذا موضوع آخر. بقلم الدكتور عبدالله فهد اللحيدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *