ظاهرة الصراع بين المسلمين
09/04/2016
386
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

لعل اكثر ما يدمي القلب هو تسلط العدو على بعض المسلمين الذين لا حول ولا قوة لهم . لكن ما يدمي القلب اكثر هو الصراع الذي ينشأ بين المسلمين أنفسهم.  وقد ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم انه دعا الله ألا تجتمع الأمم على الأمة الإسلامية وأجابه الله على ذلك ثم سأل عليه الصلاة والسلام ألا يجعل الله باس المسلمين بينهم فمنع.  عندما يبتعد المسلمون عن الله تنشأ بينهم الصراعات ويتشتتون كعقوبة إلهية على تفريطهم .  

وظاهرة الصراع قديمة في التاريخ الإسلامي.  ولعل أول صراع شهدته هذه الأمة هو الفتنة الكبرى التي أعقبت مقتل عثمان رضي الله عنه.  وتعود جذور الفتنة الى السنوات الأخيرة من حكم عثمان رضي الله عنه فقد ساد نوع من الاضطراب السياسي.  ان مبعث هذا الاضطراب هو اتساع رقعة الدولة ودخول أعداد كبيرة من أبناء البلاد المفتوحة في مصر والشام والعراق وفارس في الإسلام .  وعادة ما يكون للتغييرات الديموغرافية( السكانية-الجغرافية)  تأثير كبير على البيئة السياسية لأي دولة .  لقد أراد عثمان تسيير الدولة بنفس أسلوب الشيخين من قبله أبو بكر وعمررضي الله عنهما.  لكن أبو بكر وعمر كانا يحكمان دولة صغيرة تسيطر عليها نخبة سياسية مترابطة هي الجيل الذي رباه محمد صلى الله عليه وسلم.  وفي وقت عثمان تفككت هذه النخبة نتيجة لتفرق الصحابة رضوان الله عليهم في الأمصار.   ان هذه الأعداد الهائلة التي دخلت في ظل الدولة الإسلامية كانت حديثة عهد بالإسلام ولا زالت تحمل بعض عاداتها وتقاليدها الفكرية القديمة .  لذا كان من السهل التغرير بهم ضد الخليفة عثمان.  ثم بعد ذلك وقع ما وقع بين عائشة رضي الله عنها وعلي رضي الله عنه وانتهى الأمر باقتناع عائشة بما فعله علي من تصرفات لحماية الأمة وهي في حالة اضطراب وتفكك.  لقد حاول علي تدارك أخطاء عثمان رضي الله عنه وتسيير دولة الخلافة على أسس جديدة وكان من أول ما فعل نقل العاصمة من المدينة الى الكوفة في منطقة متوسطة بحسب الحدود الجديدة للدولة .  لكن وقع بعد ذلك ما وقع بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه وكان أهل العراق وفارس في جيش علي وأهل الشام ومصر في جيش معاوية. وهذه البلاد كلها من البلاد حديثة العهد بالإسلام .  لا شك ان علي رضي الله عنه كان هو الخليفة الشرعي الذي تولى الحكم بالطرق الشرعية المتبعة في عصره لكن معاوية كان يطالب بدم الخليفة السابق عثمان بن عفان ناسيا حق الخليفة بالطاعة وحقه هو بالاعتراض بسبل أخرى غير الخروج .  إذن الذي حدث هو ضعف العصبية الدينية التي كانت الأساس الذي تقوم عليه الدولة نتيجة لدخول اعداد كبيرة من حديثي العهد بالاسلام  ونتيجة لتفرق الصحابة في الامصار ولذلك ساد نوع من الاضطراب حتى حلت عصبة جديدة هي العصبية الدموية لبني أمية محلها .  ولم يكن حكم بني أمية قائما على العصبية الدموية فقط بل كانت كذلك خلافة تطبق الشريعة وتعطي لكل ذي حق حقه وتدافع عن الأمة وتجاهد في سبيل الله وتنشر الإسلام في كل بقاع الأرض.  

إذن نقطة الصراع الأولى في الإسلام كانت حول من هو الأحق بتولي الخلافة.  والإسلام لم يحدد أسلوبا معينا لتولي الخلافة او الإمامة ، لكنه اشترط ان يتم ذلك بالشورى.  أما كيف تتم الشورى فمتروك للمسلمين بحسب ظروفهم .  ان الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان.  ومن المستحيل تحديد طريقة لتولي رئاسة الدولة تصلح لكل زمان ومكان.  لذلك اشترط الإسلام الشورى في نظام الحكم الإسلامي تاركا تفاصيل ذلك لاجتهاد المسلمين في كل عصر .  ان الشريعة الإسلامية شريعة مرنة فيها الثابت والمتغير وهذا هو سر تفوق النظام الإسلامي علي غيره من الأنظمة.  ان الأنظمة الأخرى أنظمة جامدة لا تتفاعل مع التغيرات التي تحدث بتغير الزمان والمكان مما يعرضها للانهيار لعدم تمشيها مع تغيرات المجتمع.  نعم لقد سقط أحد افضل أنواع الحكم الإسلامي وهو الخلافة الراشدة لتغير ظروف المجتمع ولكن حل محله نظام إسلامي جديد يتناسب الظروف الجديدة ويطبق الإسلام عقيدة وشريعة.  نعم لقد كان التحول عنيفا ولكن هذه هي الطبيعة البشرية.  ان الإسلام يحث دائما وأبدا على ترك العنف .  لقد امتدح الرسول صلى الله عليه وسلم الموقف الذي سيتخذه الحسن بن علي رضي الله عنه عندما قال ان ابني هذا سيد سيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من أمتي.  ان تنازل الحسن هو الموقف الإسلامي المثالي ولولا هذا التنازل لاستمر القتال بين المسلمين سنوات عديدة لا يعلمها إلا الله .  ان الخلاف الذي كان بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه كان خلافا سياسيا بمعنى انه كان خلافا حول اجتهادات ولم يكن خلافا عقائديا ولذلك ولمجرد تنازل الحسن انتهى الخلاف وعادت الأمة صفا واحدا.  

لكن كان هناك من طور(بتشديد الواو) الخلاف السياسي إلى خلاف عقائدي .  فظهرت فرق مثل الشيعة الذين تعصبوا لعلي رضي الله عنه ولذريته من بعده معتقدين بأحقيته وذريته بتولي الأمامة نظرا لقرابتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم .  ثم هناك فرقة الخوارج التي قال متطرفوها بعدم ضرورة قيام الحكومة الإسلامية لتحقيق المساواة التامة بين البشر.  ومن المعلوم ان قيام الحكومة ضرورة عقلية وشرعية لا تتنافى مع مبدأ المساواة.  ولكنها المساواة الخيالية التي كان يجري خلفها الخوارج.  ثم قام علماء السنة بتوضيح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والطريق الإسلامي الصحيح بين غلو الشيعة وتطرف الخوارج.  ان هذا الاختلاف العقائدي كان ولا زال من أهم أسباب الصراع في التاريخ الإسلامي.  ومن ابرز ما أحدثه هذا الاختلاف العقائدي من مآسي في التاريخ الإسلامي هو الصراع العثماني -الفارسي الذي استمر قرابة ثلاثة قرون واضعف من بأس الدولة العثمانية وجعلها عرضة للغزو الأوربي.  ولا زال هذا الخلاف يفت في عضد الأمة حتى اليوم.

ومن أنواع الاختلافات العقائدية في الأمة الإسلامية الخلاف بين العلمانيين والمطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية .  لقد ظهر من أبناء الأمة الإسلامية في القرن العشرين من يطالب بنبذ الشريعة الإسلامية وتطبيق القوانين الغربية في البلاد الإسلامية.  لقد ظهر من يعتقد ان الدين عائق أمام التطور والتحديث .  وهذا ناتج من جهل بالدين الإسلامي وخلط في المقارنة بين التاريخ الأوربي والتاريخ الإسلامي .  حيث لم تنهض أوربا إلا عندما نبذت الدين.  لكن المسلمين لم تقم لهم قائمة في تاريخهم إلا عندما يطبقون الإسلام تطبيقا صحيحا بدون غلو ولا تفريط.  ان الهجمة العلمانية في العالم الإسلامي أثارت ردود فعل متطرفة في بعض البلدان فنهض من لا يفهم الإسلام فهما صحيحا للدفاع عن الإسلام معتقدا ان الإسلام دينا كهونتيا جامدا معارضا للعلم والتقدم.  ولعل هذا السبب من أهم أسباب الصراع بين المسلمين في العصر الحديث.  اقصد تفكك المسلمين الى علمانيين ومتطرفين وضاع الحق الذي هو الإسلام المعتدل والوسط بين الطرفين .

ومن أسباب الصراع بين المسلمين في العصر الحديث تفكك المسلمين الى أوطان متعددة بدون رابط يربط بين هذه الأوطان.  ان لكل وطن من أوطان المسلمين مصالح خاصة به قد تتعارض وتتضارب مع مصلحة أوطان أخرى.  كما ان هذه الأوطان المتعددة تتنافس على الزعامة فيما بينها ان هذه الأوطان المتعددة هي حقيقة قائمة ، ومن اجل تخفيف حدة الصراع بين أوطان المسلمين وإبداله بالتضامن الإسلامي لا بد من حل توفيقي بين مفهومي الوطنية والأمة الإسلامية يجعلهما مفهومين منسجمين غير متضاربين.  انه لا بد من غرس مفهوم الأمة الإسلامية الواحدة المكونة من عدة أوطان في ذهنية النشء الجديد من أبناء الأمة. بقلم الدكتور عبدالله بن فهد اللحيدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *