أثر التعليم والاعلام على المجتمعات المسلمة
07/19/2016
333
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

ينتقد الدكتور ديل ايكلمان -في كتيب من ثلاثين صفحة- عن أثر التعليم والاعلام على المجتمعات المسلمة في العصر الحديث من منشورات مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية 1999 ، ينتقد النظرة النمطية السائدة في الغرب عن الصحوة الاسلامية وكونها حركات رجعية مضادة ومعارضة للتقدم والتحديث . ويقول ان اطلاق العبارات الطنانة مثل “الاصولية” والتي تثير في الغرب ذكرى الاصوليين المسيحيين المتزمتين او عبارة هنتنتجون الغرب ضد الاخرين The West versus the Rest والتي تنبأ فيها هنتنجتون بقيام تحالف اسلامي صيني لمواجهة الغرب او عبارة دانيال ليرنر “مكة او ميكنة” والتي قصد منها التعارض والتضاد بين الدين والتقدم ليس صحيحاً ولا مفيداً. فالدكتور ايكلمان يعتقد انه بعد سنوات من الان سنعود بالذاكرة الى الوراء لنكتشف ان النصف الاخير من القرن العشرين كان حقبة شهدت تغييراً هائلاً في العالم الاسلامي . ويوضح كيف ان هدف اليقظة الاسلامية هو العودة الى الجذور الاسلامية الصحيحة التي لا تتعارض مع التقدم . ويضرب مثالاً على ذلك بحضوره لالقاء محاضرة من قبل منظمة ذات صلة بحزب الرفاة التركي والذي كان مسيطراً على بلدية اسطنبول سنة 1994 ويقول انه على الرغم من وصف حزب الرفاة بانه حزب “اصولي” فان “اراء الاتراك الذين شاركوا في المناقشة وعقبوا على حديثي عبرت عن وجهات نظر متنوعة ولم يكونوا مطلقاً ضيقي الافق ومنعزلين عن العالم الخارجي”. ا.هـ. ومن وجهة نظر كاتب هذا المقال فان مشكلة الغربيين في سوء نظرتهم للصحوة الاسلامية تنبع في جزء منها من عدم فهمهم لطبيعة الشريعة الاسلامية التي فيها ثوابت ينبغي على المسلمين ان يكيفوا حياتهم لتتماشى معها ومتغيرات مفتوحة للاجتهاد الواسع على ضوء من تلك الثوابت . ان باب الاجتهاد في الاسلام باب واسع بامكانه احتواء كل المعطيات عندما يتوافر المجتهدين الافذاذ ، وان جزء كبير من الشريعة مصدره الاجتهاد العقلي لكنه اجتهاد عقلي لا يتم من فراغ بل في ضوء من ثوابت القرآن والسنة .
ويركز الدكتور ايكلمان على دور انتشار التعليم ووسائل الاعلام الحديثة في احداث تغييرات مهمة في العالم الاسلامي لكنها هذه التغييرات لا تعني ترك المسلمين لتعليم دينهم لكنه فهم جديد ويقول “يتمسك الافراد في العالم الاسلامي باعداد متزايدة بالمعتقدات الدينية من تلقاء وعيهم الذاتي ويعبرون عنها بوضوح ومنهجية ، ولم يعد كافياً ان يكون الفرد المسلم مجرد مسلم فقط وان يتبع تعاليم الاسلام بل اصبح من الواجب على ا لفرد ان يتفكر في الاسلام وان يدافع عن ارائه “ص 15 ويضرب مثالاً على ذلك بالحوار الدائر بين مجموعة من المفكرين والفقهاء والمسلمون وكيف ان هذه الحوارات تطرح العديد من القضايا في المحاولة للوصول الى الحلول الناجعة لها على ضوء الدين الاسلامي. هذا على مستوى المثقفين اما على مستوى عموم ا لناس فيوضح كيف ان التعليم الشامل خلق قاعدة عريضة من القراء جعلت الكتاب الاسلامي ينتشر بشكل غير مسبوق . وتتناول الكتب الاسلامية قضايا علمية تتعلق بكيفية العيش كمسلم في العالم الحديث وكذلك توضح مخاطر تجاهل التعليمات الاسلامية على الفرد والمجتمع كذلك فان هناك كتب اخرى تتعلق بالتذكير بالمعتقدات الاساسية كالبعث بعد الموت والحساب والجزاء والعقاب. وتباع الكتب الاسلامية بشكل كبير واذا كان الكاتب المصري نجيب محفوظ قد حقق نجاحاً كبيراً عندما تمكن من بيع 5000 نسخة من احدى رواياته خلال سنة واحدة فان الكتب الاسلامية تحقق مبيعات تصل الى مئات الالوف من النسخ .
وينقل الدكتور ايكلمان نموذجاً من الحوارات الدائرة في العالم الاسلامي وكيف ان التركي علي بولاتش المتخصص في اصول الدين نال اعجاب الشباب المتعلمين بدعوته للتأصيل واعادة قراءة السنوات الاولى من حقبة دولة النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيق تعاليمه وتجاربه العملية على الجدل المعاصر حول قضايا التعددية والمجتمع المدني . كما يستشهد د. ايكليمان وعبر الكتاب بمقولات واراء عدد من المفكرين والفقهاء والمسلمين والتي تفهم الاسلام فهماً جديداً يناسب العصر ولا يناقض الدين . ونحن بالطبع لا نتفق مع مقولات كل من اوردهم د. ايكليمان في كتابه .
ويوضح ايكليمان كيف ان ظهور وسائل اعلام جديدة مثل الانترنت والفاكس والاشرطة الصوتية واشرطة الفيديو سمح بظهور مساهمين جدد في الحوارات الدينية والاجتماعية في العالم الاسلامي مما ادى الى نمو الوعي لدى جميع الاطراف بالاساليب المختلفة التي يمكن ان تبعث الاسلام والقيم الاسلامية وتغذي هذه الوسائل احساساً بوجود مساحة عامة تتسم بالتنقل من موضوع الى اخر وبالتنفيذ العملي وبالمشاركة .
واذا كنا نتفق مع الدكتور ايكليمان ونعجب باعتقاده “بوجود اقرار معرفي عام من قبل الباحثين في التنمية بوجود مسارات متعددة نحو الحداثة ” الا اننا نختلف معه في تعريف الحداثة ذاتها اننا نعتقد بوجود اشكال مختلفة للحداثة تتناسب مع ظروف كل مجتمع التاريخية والثقافية والدينية . واذا كان الاسلام يقر التعددية ويأخذ بالتسامح الديني ويحث على المشاركة السياسية فان هذا لا يعني بالضرورة ان تكون التعددية والتسامح والمشاركة في النظام الاسلامي مطابقة لما يحدث في الغرب حالياً . وبهذا فاننا وان كنا نختلف مع هنتنجتون باعتقاده ان العلاقات والغرب ستأخذ شكلاً تصارعياً بالحتمية فأننا لا نتفق ايضاً مع ايكليمان في اعتقاده ان التطورات الحالية في العالم الاسلامي مشابهة لما احدثته الثورة البروتستانية في الدين المسيحي من تغيرات بل نقول ان اليقظة الاسلامية والصراع بين قوى التحديث والقوى التقليدية احدثت وستحدث تغيرات مهمة في العالم الاسلامي وسيتغير شكل الدولة وطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية لتأخذ شكلاً جديداً ليس بالضرورة مطابق للشكل الغربي . بقلم الدكتور عبدالله فهد اللحيدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *