الرسائل الحضارية لرمضان
06/09/2016
410
لا توجد تعليقات
شارك الموضوع

رسالة العطاء :

إن شئت أن ترى رأيت الزمن في رمضان، وقد اشتمل على مسحة من أخلاق القرآن لمـّّا كان نزول القرآن فيه؛ ولبس المؤمنون فيه من هذه الأخلاق أجملها وكلها جميل، ومن هذه المعاني أسماها وأكملها وكلها سمي كامل، ومن الفضائل أرفعها وأنبلها وكلها رفيع نبيل، ومن المكارم أعلاها وكلها عال؛ فتجلت عطايا القرآن في زمان الصيام في الأيادي الطاهرة والأرواح الخيرة .. ممتدة بالخير للمحتاجين دون مسألة، ورافعة للكرب عن المكروبين دون مذلة… فإذا موائد الخير في أزقة الفقراء كما هي في ميادين الأغنياء بالعطاء مبذولة، ويد المنح من الجميع للجميع ممدودة.. فلو صح أن يُسمى رمضان بغير اسمه، لكان شهر الخير والعطاء، وشهر البر بالغير دون جفاء.. أليس هذا الخير من وجوه اليسر الموعود في الذكر المشهود: “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ…” فكان جود الإنسان الزماني من جود الزمان الرباني، والله “طيب يحب الطيب… كريم يحب الكرم.. جواد يحب الجود.” (الترمذي). ولا قيام للمجتمعات إلا بالجود، هذا الجود الذي نسميه اليوم العمل التطوعي، والعمل الخيري، وتقوم له في حياتنا جمعيات وتعمل على تحقيق إنجازات ومشروعات، هي جميعها آيات حضارية تلتها آيات الصيام على مسامع الزمان أفعالا ومآثر من قديم الزمن فلم تكن مجرد أقوال باردة أو مواعظ ميتة… فـ«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن فَلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة‏.» (البخاري) فلو أنعمت النظر، مليت عين فؤادك برمضان وقد اجتمع فيه شرف الأرض في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وأمين السماء جبريل عليه السلام فتلاقي فيه صدر الإنسانية محمد مع مقدم الملائكة جبريل، وعمارة هذا التلاقي “الدرس والعلم”، وثمرة هذا اللقاء “الجود” فلا خير في درس لا يعلم العطاء، ولا خير في صداقة لا تمنح الخير، ولا خير في زمن لا يبني في الإنسان القدرة على منح الخير للغير.. ثم هذه الإشارة في اجتماع الإنسان والملك على العلم بلوغا للخير، ألا تهدينا إلى أن أرفع مدارسة العلم هي التي تصحبها تلك الروح العلوية الملائكية الشفافة التي تنـزع إلى السماء وتعرج إلى الله في جهادها وعلومها بهبة الخير للغير، ولعل تهئية الصيام للنفس في رمضان لصحبة القرآن هو ما يؤهل الإنسان لهذا النوع من الحياة الفريدة مع القرآن، لذلك اجتمع الصيام والقرآن في الشفاعة للإنسان في الآخرة كما اجتمع الإنسان بهما في الدنيا، كما في قول الحبيب: “الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ : الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، قَالَ فَيُشَفَّعَانِ..(أحمد). وجدير بكل مؤمن أن يجعل درس العطاء والمودة والإحسان وتدريباته في رمضان سلوكا له طوال العام، فلو استطعنا أن نصل بهذه الرسالة إلى فئة من الناس كبيرة لما استشعر أحد الحرمان ولما عاني مراراة الهوان.. وكل رمضان وأنتم للإحسان أهل وبه أجمل.

رسالة الوعي:

شهر رمضان.. بعثة إنسانية.. فرصة روحية.. صفحة جديدة.. إنجاز عظيم.. درس من دروس اكتشاف القوة البشرية الهائلة الكامنة في كل إنسان.. ربما اعتقدت أن رمضان مجرد فترة زمنية أو عبادة حولية أو شعيرة دينية.. أليس كذلك؟! والحقيقة أنه ليس فترة زمنية محضة وإلا فهناك أحد عشر شهرا أخر.. كما أنه ليس مجرد عبادة حولية أو شعيرة دينية عادية؛ فلرمضان معالم نفسية وروحية، واجتماعية وبيئية، وتربوية وتوعوية خاصة.. ولكن سر رمضان الأعظم في درسه الحضاري الأكبر … وهو أنه “زمن الوعي”.. تلمس حقيقة رمضان، ستجد أن رمضان تجسيد متجدد حي لـ «زمن الوعي».. رمضان عبارة عن تجديد وإحياء لبنية الوعي بالطاقات الشخصية والآداب النفسية والأحلام المستقبلية الخاصة بكل فرد كما هو تجديد لمعاني الخير والمشاركة والروح العامة للمجتمع كله، وأخص من ذلك هو إحياء للوعي الإيماني بالله، والوعي عنصر أصيل لتحقيق الآمال وبناء الأجيال وإدراك أسرار الحياة، فهو كما يقول الكاتب الأمريكي “نيفل جودارد” هو مصدر إدارك الوجود وطريق تحقيق أعز الأحلام. وفي رمضان استجماع لدرجات مختلفة من الوعي الظاهر والباطن، والوعي النفسي والمجتمعي، فرمضان أمهر البنائين لرياض الوعي.. الوعي بقيمة الوقت .. الوعي بزمن الطعام والشراب .. الوعي بمواعيد الدواء.. الوعي بجدول قراءة القرآن.. الوعي بورد الذكر.. الوعي القيمي والديني بأهمية الحلال في المطعم والمشرب والملبس.. وأهيمة الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة.. والوعي بقيمة العطاء والإحسان .. الوعي بقيمة الهداية والبينات والفرقان بين الحق والباطل .. والصلاح والفساد .. والوعي بعينيك ونظراتك.. الوعي بآذانك وسماعك.. الوعي بلسانك وكلماتك.. الوعي بلدغات الجوع التي يعانيها المحروم والمسكين والفقير والضعيف طوال أيام العمر.. الوعي بقيمة الاجتماع مع العائلة والوعي بأهمية التواصل وإنعاش التراحم وصلة الأرحام.. الوعي بقيمة الأصدقاء .. الوعي بروحانية القيام .. الوعي بإتقان العمل وأمانة الزمن .. الوعي بمساعدة الناس والعمل الخيري.. الوعي بضبط النفس .. الوعي بمشاركة الحب والعواطف وبناء قصور السعادة .. كما الوعي بالتوقف عن الأذى والصبر على الناس.. الوعي بسمو العفو والتسامي والتجاوز عن أهل الخطيئة والمساويء.. إنه الوعي الجوهري بقيمة الإنسان ودوره في تعزيز فرص الإنسانية في حياة أفضل.. وهل يمكن أن نحقق أي تقدم أو إنجاز حضاري دون وعي إنساني؟ هذا الوعي بقيمة الوقت وقيمة الفرد وقيمة المشاركة الوجدانية وقيمة العطاء وقيمة الإنجاز وقيمة العمل الخيري هو الذي نحتاجه في هذه اللحظة من تاريخنا.. وهذا هو درس رمضان الأعظم.. رمضان حقيقة “زمن الوعي”، وهذه الحقيقة رمز إليها القرآن في قوله تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (سورة البقرة: 2: 185)”.. نلاحظ أن القرآن اتخذ من رمضان وعاء زمنيا لنزول هديه وبيانه، فصار لرمضان فضيلتان مترابطتان: فهو “زمن الوعي” وهو“وعاء القرآن” ومدرسة القرآن في الأصل مدرسة الوعي الكامل، وشهر رمضان هو المدة المثلى لبناء هذا الوعي.. لذلك نجد آيات الصيام تختار مفردات بناء الوعي الزمني “شهر رمضان – أيام أخر – لتكملوا العدة” والوعي العقلي “هدى – بينات – فرقان” والوعي المكاني والبدني “فَمَنْ شَهِدَ .. وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ..” والوعي النفسي والروحي والإيماني “اليسر – لتكملوا – تشكرون – إذا سألك عبادي عني فإني قريب – أجيب”، والوعي بقيمة الإنجاز والسعي نحو مستقبل راشد “ولتكملوا العدة.. ولعلهم يرشدون”.. رمضان إذا درس لبناء الوعي بالتاريخ والجغرافيا الواقعية في تذكيره بالوقت والإقامة والسفر والشهود.. وهو درس للوعي بالتاريخ والجغرافيا العقلية في القدرة على اكتشاف الهداية وتمييز الأدلة والبينات ومعرفة الفوارق بين الأمور، والوعي بالتاريخ والجغرافيا البدنية من الحضور والصحة البدنية والنفسية.. هذه الألوان المختلفة من الوعي تستهدف إدارك التيسير الذي وضعه الله في بركات الصيام وإكمال العدة بتحقيق إنجاز الصيام وإدارك الشكر وإجابة الدعوة “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.. أجيب دعوة الداعي” عليك اليوم أن تبدأ بوعي مسيرة بناء الوعي في “زمن الوعي”، ولا تضيع فرصة تحقيق الأحلام..

رسالة الوحدة:

شهر رمضان ضيف مبارك على الجملة والتفصيل.. مبارك على الفرد والجماعة.. مبارك على الناس والحيوان .. بل على الجماد.. يجتمع الجميع على النيل من خيراته، الفرد والجماعة، والإنسان والحيوان، بل إن الجماد ليحظى بكثير من الاهتمام رعاية لنظافته، وتهذيبه في رمضان.. ورمضان في جملته واحد بوحدانية روحه عقيدة وشريعة وأمة.. واحد طبيعته وطبائعه.. لا يختار لسكناه بيتا من لبن أو حجر، ولا يقتصر على أرض ذات ماء وشجر أو ذات صخر ومدر.. وإنما يلج أرواحا ظامئة إلى ملئها بنور اليقين، بنور العزيمة، فيمكن منها الخشية بتمكين الطاعة، فيستقر فيها الخير باستقرار رسالة الصيام وأدبه فيها.. كما يخترق مذاق حاجاته النفوس جميعا؛ فإذا هي نفس واحدة وإن تعددت، وروح واحدة وإن تقسمت، ويتلبس القلوب جميعها فإذا هي قلب واحب غشيته سحائب الحب وأريحية الإحسان.. ورمضان شهر عصي على الجغرافيا المتحولة وعلى التفرقة المبتذلة.. فهو يسكن البيوت الفقيرة والقصورة المنيفة، ويصل بغايته من نفوس الملوك إلى ما يصل إليه من نفوس العامة؛؛ فكأنما هو نبي مبين بغير لسان، ورسول مبلغ بغير كتاب. وطبيب حاذق بغير جراحة. وهو أستاذ بارع لا في تربية الجماعة فحسب، بل في تشييد بنائها ورفع عمادها وسبك لبناتها.. ولذا كانت روح رمضان هي روح الجماعة ورسالته هي الوحدة، ستأنس إليهما في اجتماع الناس على موائد رمضان، ودروس العلم، وحلقات الذكر، وسهرات الشعر، وملتقيات الفكر، واجتماع الأصحاب والأهل على الطعام، واجتماع الجميع في صلاة التراويح واستراحتهم إلى الاعتكاف والتهجد.. أليس هو صحوة من غفلة، ونهار من ليل، وإحياء من موت، ونشاط من عقال!! في رمضان تنصهر الأسر المتفرقة لتعود متحدة بروح الوحدانية الساكنة فيه، تجتمع وحداتها المتفرقة في وحدة القرب الرمضانية، ولطافة الصوم الربانية، ولذة الأوبة الروحية، فكأنما جرى تفرقها بفراقها رمضان فاجتمع المتفرق منها باجتماعه وتقارب المتباعد منها بقربه، فتجاذب الناس فيه إلى بعضهم البعض بجاذبية الوحدانية في الجوع والعطش، واستنهاض روح المراقبة والوجل، تتلاقي لذاتهم في وحدة الزمان إفطارا وسحورا، وصلاة وقياما، ووحدة أرواحهم في السرور بالطاعة والجماعة، والحرص على البر والصلة من الكل للكل.. قلب رمضان موازين الفردانية الطاغية وأطفا في “الأنا” نيران الأنانية، فجعل الممسكَ سخيا، والقصيَ دنيا، والأبي وليا، فإذا المتخاصمان يتعانقان، والمتشاحنان يتصالحان، والمتفرقان يجتمعان، أليس قد نزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان؟ وإذا كانت حقيقة الحقائق الاجتماعية في عالم الإنسان أن لا قيام للحضارات الإنسانية إلا بجماعة الإنسان المتعانقة في سمو إنسانيتها، المتحدة في أهدافها، ولا تقدم لأفرادها إلا بالبيئات الإنسانية الجمعية الحاضنة، التي تستضيء بنور الصيام، فتنهض بعد الفرقة إلى الاجتماع، وتستبين منارات الحق في بذل النصح والعمل بعد الشرود والضياع، وتتقدم بقوة الدافع إلى فرحة الإنجاز— فهل رأيت أمة متفرقة قامت بعد نكستها، أو نهضت بعد غفلتها؟؟.. إن درس رمضان العظيم يكمن في استجماع روح الوحدة وجماعة الأمة ومصالحة الكل للكل وعفو الجميع عن الجميع.. ولعل هذا أحوج ما نكون إليه اليوم. بقلم الدكتور محمد فوزي عبدالحق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *